حوارات مجنونة مع كتاب عرب بلا أقنعة

أهمية فن الحوار تأتي من أن الإبداع لا يحتمل المباشرة بقدر ما يحتمل المواراة والإشارات البعيدة الموحية، أما الحديث المباشر فهو يُخرج الأدب من أدبيته إلى المباشرة.
الثلاثاء 2019/03/12
محمود الغيطاني: الحوار بين مبدع وآخر هو مباراة ثقافية بين مبدعين

من طبيعة النصوص الإبداعية أنها تقوم على شيء من الغموض، لذلك فهي لا تكشف عن كل ما يريد الكاتب قوله، ومن هنا تأتي أهمية الحوارات معهم، تلك التي تضيء مناطق بقيت مجهولة أمام قرائهم، سواء فيما يتعلق بأفكارهم أو تصوراتهم وحتى حيواتهم اليومية وآرائهم في بعض القضايا وغيره.

القاهرة- في كتابه “جنة الممسوسين” يقدم الكاتب والصحافي المصري محمود الغيطاني مجموعة من الحوارات الأدبية، والغاية منها هي الحديث بشكل حر وتقديم وجهة نظر هؤلاء الكتاب عن العالم، عن الإبداع والفن والثقافة والحياة.

يرى المؤلف أن أهمية فن الحوار تأتي من أن الإبداع لا يحتمل المباشرة بقدر ما يحتمل المواراة والإشارات البعيدة الموحية، أما الحديث المباشر فهو يُخرج الأدب من أدبيته إلى المباشرة. انطلاقا من هنا تعود أهمية كتب الحوارات مع المفكرين والمبدعين حيث أنها ليست مجرد كلام لإزجاء الوقت؛ فمن خلال الحوار مع المبدع يكتمل أمامنا عالمه الروائي الحقيقي، وتمتلئ الفجوات التي تتركها النصوص، كي يكتمل أمامنا المشهد الإبداعي لكل مبدع من هؤلاء، وهو ما لا يستطيع المبدع قوله بشكل مباشر من خلال إبداعه.

وتأتي أهمية هذه الحوارات وتميزها في أنها تقوم بين مبدع ومبدع، وأنها تأخذ وقتا للتأمل سواء على مستوى السؤال أو الجواب، أي أنها ليست مجرد حوارات صحافية متعجلة بقدر ما هي حوارات تستمد قيمتها من دور الأدب في حياة المحاور والمجيب.

حوارات تستمد قيمتها من دور الأدب في حياة المحاور والمجيب
حوارات تستمد قيمتها من دور الأدب في حياة المحاور والمجيب

يقول المؤلف إن الحوار بين مبدع وآخر هو مباراة ثقافية بين مبدعين، كما أن المحاور المبدع يكون ملما بآليات العملية الإبداعية في حد ذاتها، وليس ملما فحسب بالعالم الإبداعي لمن يحاوره، ومن هنا يستطيع المحاور استنطاق من أمامه بما قد يحجم عن قوله مع آخرين، وهذا ما لاحظته بيني وبين الكثير من الروائيين الذين حاورتهم، كانت الحوارات بيننا وكأنها جلسة دردشة أو نميمة ثقافية، ومن ثم بدت وكأننا نحاول أن نكمل العملية الإبداعية معا بشكل مشترك، حتى لكأن الأمر ليس أكثر من ورشة إبداعية نشترك فيها معا.

ولعل العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه “جنة الممسوسين”، ينطبق على الكثير من مضمون الكتاب، ففي حواره مثلا مع الروائي التونسي كمال الرياحي بدا وكأن الحوار يدور بجنون بين مبدعين لكل منهما جنونه الخاص، ثم تكشف الحوارات عن تفاصيل وآراء مجهولة للكتاب سواء الأدبي منها أو الفكري أو حتى عن أمور تخص حيواتهم اليومية.

 مثلا يسأل الغيطاني كيف تأثر كمال الرياحي بماريو فارغاس يوسا  فاستوحى روايته “المشرط” من رواية يوسا امتداح الخالة. يكشف الرياحي أنه كتب روايته عام 2003 ولم تكن رواية يوسا قد تمت ترجمتها آنذاك، ويحكي عن نقاط التقاطع التي يرى أنها موجودة في أكثر من نص إبداعي، ثم يختم كلامه قائلا ”لو كنت سطوت عليها فهذا جيد جدا”.

وفي حواره مع الروائي إبراهيم عبدالمجيد، يسأله عن فكرة الماركسية والقومية والعولمة، وتأتي إجابة عبدالمجيد ليقول إن “فكرة القومية انتهت، وإن الماركسية ضد القومية لأنها تدعو إلى الأممية. وإن معظم الماركسيين القدامى في مصر عملوا جمعيات حقوقية وثقافية بمعنى أنهم انتقلوا من القومية إلى العولمة، لذلك تحولت الماركسية إلى ذكريات”.

هذا الحوار غير التقليدي ينطبق أيضا على حواره مع الروائي العراقي محسن الرملي فالغيطاني يقوم بقراءة الأعمال الإبداعية لهؤلاء المبدعين، إلى جانب جمع مادة دسمة عنهم، ثم يستخلص من هذا كله مزيجا من التساؤلات المحفزة على الإجابة، إنها متاهة لا تنتهي، تدخل فيها لعبة التخفي بين كلا الطرفين، على الرغم من أن الغيطاني يعترف بأن كل من أجرى معهم الحوارات هم من أصدقائه من الكتاب، وربما هنا تكمن نقطة الضعف الوحيدة في الكتاب، حيث كان من المهم أيضا إجراء مثل هذه الحوارات الشيقة مع كُتاب لا يرتبط معهم الكاتب بأي صلة ذاتية، حينها ستكون مساحة التحدي أكثر علوا.

 يقول “لا أنكر أن جل من أجريت معهم هذه الحوارات هم، في حقيقة الأمر، أصدقاء بشكل مباشر، ولعل هذا ما سهل الحوار بيننا كثيرا، ودفع الجميع منهم للتبسط معي والتحرر في قول ما يريدونه وهم واثقون بأن ما صرحوا به سيتم نقله ونشره بشكل أمين من دون أي تغيير أو حذف. لا أنكر أن الكثيرين منهم قد تخوفوا من إجراء حوار معي بدعوى: أن حواراتي فيها الكثير من المنزلقات التي من الممكن أن تورطهم في أمور لا يرغبون فيها، ولكن كوني روائيا مثلهم، وكون الصداقة هي الرابط بيننا؛ هو ما شجعهم في النهاية على إجراء هذه الحوارات”.

ومن ضمن أسماء المبدعين التي تضمنها الكتاب نذكر الدكتور نعيم عطية، إبراهيم عبدالمجيد، مفلح العدوان، محمد عفيفي وغيرهم. ونذكر أن كتاب “جنة الممسوسين” لمؤلفه محمود الغيطاني صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

14