حوارات نقدية تعصف بالعمى الأيديولوجي في "أطياف فلسفية"

أحمد برقاوي: الحداثوي الهارب من التاريخ الجديد يستعير منطق خطيب الجمعة.
الاثنين 2020/12/28
علاقة الكتّاب ملتبسة مع الناس

يصبح الكاتب بفعل تكرار الكتابة والحضور في عالم القارئ جزءا لا يتجزأ من مؤلفاته وأفكاره، فلا يُسمح له بالغياب، وتُحلّل كلماته من خلف السطور، ليكتبه المتلقي كما لم يتوقع. وسعيا لجذب المزيد من القراء، يسجن عدد من المؤلفين أنفسهم داخل قفص الأيديولوجيا الجمعية التي ترضي ذوق الجماعة فيما يحقق منها المؤلف المكسب الفردي.

ما الكتابة؟ ما الناس؟ ما العلاقة بين الكاتب والناس؟ هل تختفي فكرة موت المؤلف ويعود النص إلى صاحبه، ويصير النص هو المؤلف والمؤلف هو النص؟ كيف يتأتى أن يظهر في عالم الكتابة الكاتب القفص؟ ما الكتابة الغبار؟ ما العلاقة بين إبداع المثقف وموقفه من الحياة؟.. تساؤلات كثيرة يطرحها ويسعى للإجابة عنها المفكر السوري أحمد برقاوي في كتابه “أطياف فلسفية” متجاوزا ثقافة الأجوبة التي تعاني من العماء الأيديولوجي ولا ترى ماهية الوجود المعيشي، لا ترى الناس. حيث يفض جملة من المفاهيم، ويعيد تحديدها، ثم يتناول أهم المشكلات الراهنة ويقيم حوارا نقديا مع فلاسفة ومفكرين.

المتلقي مقوم للنص

يفتتح برقاوي كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالقول إن الكتابة ثمرة الكينونة التي تريد أن تحفظ كينونتها متنوعة الحضور، وظهور الكاتب الذي لم يكلفه أحد بالكتابة ظهور العبقرية، وسعيها للحضور، مؤكدا أهمية العودة إلى مفهوم الناس الذي خرج من التداول، تقريبا، في الخطابات العربية المعاصرة، وذلك كي يصبح في الإمكان إعادة قراءة العلاقة بين الكاتب والناس. أتى مفهوم الناس، غالبا، معرفا بأل التعريف، ومنادى بـ”أيها”، ودلالة ذلك أنه يشير دائما إلى مقصود الخطاب؛ الناس مخاطبون. تقول بعض المعاجم إنّ الناس جمع إنسان، ولكنه جمعٌ بمعناه، كنساء جمع امرأة، والناس لا مفرد له. والناس يمكن أن يكونوا جماعة أو شعبا أو أمة أو إنسانية، ويمكن أن يكونوا فئة أو طبقة أو نقابة أو حزبا..إلخ. وعندما نخاطب الناس يحدد مضمون الخطاب الناسَ، سواء أذكَرهم أم لم يذكرهم، يتوجه إليهم باختلافاتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم كلها، وتعدد أهوائهم.

أحمد البرقاوي: الكاتب ليس صاحب قرار في تحديد صنف المتلقين،ولا هو قادر على أن يحمل أحدا على القراءة
أحمد البرقاوي: الكاتب ليس صاحب قرار في تحديد صنف المتلقين،ولا هو قادر على أن يحمل أحدا على القراءة

ويشير إلى أنه في اللحظة التي يعلن فيها الكاتب خطابه، فإنه يدخل في علاقة ملتبسة مع الناس، ويخضع لأحكام المتلقي؛ فالكاتب ليس صاحب قرار في تحديد صنف المتلقين، ولا هو قادر على أن يحمل أحدا على القراءة، أو أن يحدد نوع القراءة؛ ولهذا يدخل المتلقي في علاقة حرّة مع الكاتب، فيتحول كلّ متلقٍّ إلى مقوّم للنصّ، وإن شئت على الكاتب، وإذا ما أراد أن يعمّم حكمه يصرّح بكل عفوية، قائلا “يقول الناس”. تتعقد هذه العلاقة بين الكاتب والناس في مرحلة يطلب فيها من الكاتب أن يتخذ موقفا من الناس في مرحلة من مراحل صناعتهم للتاريخ، ومن التاريخ السائر نفسه.

ويتابع برقاوي “أنّ المؤلف يصبح مسؤولا ليس عن خطابه فحسب، وإنما عن الناس أيضا. ولهذا صمتُ الكاتب وعدمُ التدخل في شؤون الناس الذين يدخلون في معركة صناعة التاريخ، وعدم انحيازه إلى صراعاتهم بموقف من أطراف الصراع، وعدم كتابته من وحي العالم المعيش، ذلك كله نوع من الكتابة الصامتة التي يستطيع الناس قراءتها بوصفها موقفا. إن الناس يكتبون النص الذي لم يكتبه المؤلف. فالناس في العالم المتعين صناع تاريخ، يسألون عن كاتبهم، وإذا ما غاب أحد الكتاب المشهورين الفاعلين، فإنهم يسألون: أين هو؟ إنّ السؤال ‘أينه’ سؤال الاستنطاق، أو سؤال احتجاج ودهشة من غيابه، ظنا منهم أن حضوره تحصيل حاصل، وجزء لا يتجزأ من مسوّغ وجوده؛ إنهم يسعون ليشاهدوا أنفسهم في عالمه، وإن حصل وغاب، فإنهم يصدرون عليه حكمهم الذي يصل إلى حدّ نفيه من الذاكرة، والناس في أحسن أحوال تقويمهم لهذا الغائب يجدون له، إن كانوا يحبونه، عذرا في الخوف من السلطان”.

ويرى أنه قد يقال إن هوية الكاتب لا تحيل إلا على ذاته، وانتماء الكاتب هو إلى الكتابة، لكن الكتابة، وهي تحدد هوية الكاتب من دون توقف، تحيل على نظرته إلى العالم وموقفه من الناس، هو الذي يعين السيرة الذاتية لهوية الكاتب في أحوالها كلها؛ سيرة كتابته وانتمائها، وصورته في أذهان الناس.

ويوضح برقاوي: ها نحن أمام الناس، وقد حدّدوا هوية الكاتب والكتابة عموما، لقد قرّروا، تلقائيا، معنى الكتابة؛ تأسيسا لمطلبهم من الكاتب والكتابة. نحن أمام قضية الكتابة بوصفها انحيازا.. الكتابة في علاقتها المعقدة حال وجودية بامتياز. ذلك لأن الوجودية موقف، يُظهر الكاتب عبره هوياته كلها؛ المستترة والنائمة والمستيقظة، القديمة منها والجديدة. ولما كان كل كاتب طامحا للحضور، ولا حضور إلا في حقل الناس الذين ينتظرون الحضور، من دون أن يعني ذلك حضوره منعزلا عن موقفه العميق من الوجود الجديد، فإنه يظهر لا كما يحب أن يراه الناس، بل استجابة لندائه الداخلي، ثمّ يأتي الحضور لاحقا. وهكذا يظهر كاتب الخلاص الأرضي المرتبط مع الخلاص الإلهي؛ فيجد الناس المؤمنون بخلاص كهذا كاتبهم الأثير؛ فهو، من جهة، مكافح ضد السلطة المستبدة بخطاب الهوية الدينية التاريخية، كاتب، كهذا، قادر على الاعتداد بالإرث التاريخي المقدس، فيحضر هوية أثيرة، ويزداد حضوره قوة إذا ما كان ذا تاريخ من التضحية، سجنا ومطاردة ونفيا، فيكتسب قوة أخلاقية لدى الناس؛ ما يزيد من تأثيره الفاعل في تشكيل الوعي.

في اللحظة التي يعلن فيها الكاتب خطابه، فإنه يدخل في علاقة ملتبسة مع الناس، ويخضع لأحكام المتلقي

ويقدم خطابا بسيطا قريبا من وعي الناس المتوارث، ولا يحتاج إلى عناء لاستيعابه، فيزداد اقترابه من الناس، ولاسيما حين يوقظ فيهم ذاكرتهم التاريخية وهويتهم النائمة، كاتب كهذا يعاني مفارقة في الوعي، فهو منحاز إلى قيامة الناس؛ أي: إلى التاريخ بصفته سيرورة، من جهة، ولديه تصور سكوني للتاريخ من جهة ثانية، ويقوم بدور الداعية الخلاصي؛ فيعكر صفو الفعل الثوري. وفي مقابل هذا النمط من الكاتب الخلاصي المتكئ على خطاب ديني سهل العرض، يظهر كاتب خلاصي آخر شمولي النزعة، يتحدث بفكرة مهزومة في الواقع، لكنّه يقيم فارقا بين صحة الفكرة المطلقة وهزيمتها في التاريخ؛ إذ أن التاريخ عنده ليس معيار صحة الفكرة، وإنما الفكرة تنطوي على صحتها، معتقدا أنه إذا ما توافرت قوة شعبية جديدة، تؤمن بالفكرة المهزومة، أمكن للفكرة أن تستعيد دورها الخلاصي. غير أنّ علاقة الناس بخطاب كهذا لا تعدو علاقة تذكر، ولكن من دون أثر فاعل، أو يجد خطاب كهذا لدى نخبة قديمة وأخلافها حضورا طوباويا.

ويضيف “يعود كاتب من نمط آخر ليبني علاقته بالتاريخ المنفجر؛ بتبرئة الخطاب الأيديولوجي من مسؤوليته في خراب الأحوال، نافيا أن يكون الطغاة منتمين إلى الأيديولوجيا التي يدافع عنها الكاتب. إن الكاتب، هنا، يستند إلى هوية أيديولوجية متعثرة في التاريخ، لكنّها تظلّ حيّة لدى جمهور من الناس، يحضر حسن البنا وخالد بكداش وميشيل عفلق، مرة أخرى، بدلالاتهم الرمزية، وهم ثلاثتهم قرروا أن يكسروا رأس التاريخ. لقد تشابهوا في الإعلاء من شأن الإرادة في تحقيق الفكرة، بمعزل عن فكرة الإمكانية، أما كاتب التاريخ المنهار، كاتب الضمير المنهزم، فيقدم خطابا للناس ممتلئا بالعاطفة الزائفة، وبالحديث عن المؤامرة على الأوطان والدفاع عن المستبدين بوصفهم حماة الديار”.

ثوب حداثوي مستعار 

معركة زائفة للكذب (لوحة محمد ظاظا)
معركة زائفة للكذب (لوحة محمد ظاظا)

يشير برقاوي إلى أنه مع اندلاع الثورات العربية نشأ المعيار الأخلاقي، بوصفه المعيار الذي يقيس علاقة الكاتب بالناس. لقد صار مفهوم الناس وقفا على الناس الذين اندرجوا في حركة التاريخ، وفي ضوء ذلك نشأ الكاتب المصاب بالهزال الأخلاقي، والآخر المتمتع بالقوة الأخلاقية، ولكن من دون النظر إلى مضمون الخطاب. ولقد ظهر الكاتب الإسلاموي، بوصفه كاتب الغنيمة، وليس كاتب التحول التاريخي، ظهر الكاتب الذي أعلن الشمولية على نحو جديد، الذي يلقي باللائمة على كاتب الحداثة بوصفه مسؤولا ومنهزما معا، وآية ذلك أن أغلب السلطات المستبدة قد لبست ثوب الحداثة، واستعارت أشكالها الخارجية في ممارسة قروسطية، فوقعت الشبهة على الكاتب الحداثوي بأنه جزء من هذه الآلة الهمجية. ولكن النسبة الكبرى من كتّاب الحداثة العربية الديمقراطيين والإنسانويين سرعان ما انحازوا إلى الناس بقوة روحيّة ووعي متجاوز.

المتلقي يدخل في علاقة حرة مع الكاتب
المتلقي يدخل في علاقة حرة مع الكاتب

ويعاود برقاوي التساؤل كيف يتأتى أن يظهر في عالم الكتابة الكاتب القفص؟ ويقول “القفص، هنا، ليس إلا الأسر داخل قضبان الأيديولوجيا، سواء كانت هذه الأيديولوجيا تعبيرا عن مصلحة شخصية – فردية، أو عن عصبية جماعية ضيقة، أو عن الانتماء إلى فكرة على أنها ذات حقيقة مطلقة”.

ويؤكد أن الإقامة في قفص الجماعة الضيقة هي السجن داخل هوية جماعة تحولت إلى هوية فردية موعى بها على نحو تعصبي، وتحول هذا المثقف إلى موقف داخلها ليس إلا، ولا يرى العالم إلا من زاوية هذا الانتماء التعصبي. وهذا النمط من الأقفاص أسوأ أنواع الأقفاص الأيديولوجية، ومثقف القفص هذا يظهر في حالات الصراعات الهوياتية، أو التي تتزيف بصراعات هوياتية.
ويقول برقاوي إن هذه الكتابة أثر فاسد. فالكتابة التي تطايرت في عصر الانحطاط، أو تتطاير في لحظات الهدم التاريخي، غالبا ما تجد طريقها إلى العقل العام. تبدو كتابة الشفاهي اليوم حاضرة في النص الفكري بوصفه غبارا، فالشفاهي المكتوب يظلّ شفاهيا تماما، شأنه شأن كتابة الرواية الشفاهية والعنعنة، بوصفه غطاء يخفي حقيقة الأهداف المستترة التي تجد طريقها إلى تدمير الحياة. إن الغبار الفكري الذي يتطاير، الآن، في فضاء العاصفة التغييرية، يحاول أن يشوه جوهر هذه العاصفة عبر خطاب إسلامي – جهادي وأصولي، من جهة، وخطاب لا يرى في العاصفة إلا حركة إسلامية ضد الحداثة المزعومة.

ويرى “هكذا؛ يجتمع نمطا الغبار في تحقيق هدف واحد، على الرغم من الاختلاف الشكلي بينهما، ولأول مرة يلتقي الأصولي والحداثوي الزائف في موقف موحد من منطق التاريخ؛ فالبكاء على ‘حداثة’ عسكرية دمرت حقيقة الحياة والمجتمع، وردت الشعوب إلى حال الاستنقاع الذي ما عاد يطاق، لا يختلف عن الفرح بعودة الإسلام هو الحل، وعصر الخلافة. يمتطي مثقف الغبار ظهر الثقافة التي تختفي في جحر الممانعة، كما الثقافة التي تختفي في وكر الجهاد. كلاهما يجمع من النفايات ما يحلو له، ويشيد خطابا صالحا للهرب من أسئلة الحياة والتاريخ والمستقبل الصحيحة؛ فينتصر منطق خطبة الجمعة، القائم على العنعنة. أجل، يستعير الحداثوي الهارب من التاريخ الجديد منطق خطيب الجمعة، ويحشد ما تيسّر له من أقوال طغاة الفكر العظماء، من دون أن يقول شيئا صادرا من امتلاك الواقع، وفي مقابله يستمد خطيب الجمعة الديني، هو الآخر، في حشد ما تيسر له من قول مقدس، وشرح المقدس، لتسويغ العودة إلى الفردوس المفقود؛ فتتحول الكتابة، عندئذ، إلى صراع نصوص، ويعلو غبار المعركة الزائفة بين كذب يستمد أسلحته من ماض أثير وكذب يستمد أسلحته الخلبيّة من ماض غريب، إنّها، كما عبر عنها الجابري قبل أن ينكص راجعا إلى الوراء، نوع من سلفيتين: السلف الإسلامي الصالح والسلف الأوروبي”.

مثقف القفص يظهر في حالات الصراعات الهوياتية أو تلك التي تتزيف بصراعات هوياتية
مثقف القفص يظهر في حالات الصراعات الهوياتية أو تلك التي تتزيف بصراعات هوياتية

 

14