حوار أديان؟

ولأنني أسلمتُ حديثاـ حسب الشائعةـ استغرب أحدهم، وقال: ولكننا نراه يصوم رمضان معنا ويصلي أحيانا، وأحيانا هذه لها قصة.
السبت 2018/08/25
لأنهم لم يروني أصلي معهم، فقد صدقوا

اقترب مني زميلي في الصحيفة العربية، وهمس “أريدك أن تحضر لي نسخة من الإنجيل عند عودتك من مصر”، استغربت لكن “غمزة” من الماكر إبراهيم رضوان أشارت لي بمجاراته، فأردفت: إنها ممنوعة.. كيف سأهربها من المطار؟ فأجاب: عليَّ هذا.. كان ذلك وقت إطلاق العاهل الراحل عبدالله بن عبدالعزيز مبادرته لحوار الأديان قبل أكثر من عقد من الزمان.

كانت شائعة سرت بأني “مسيحي”، باعتبار أن لقبي “هجرس” قريب في النطق من “جرجس” و“تادرس” المسيحيين، وليس لأنه اسم بدوي يعود لإحدى قبائل الجزيرة العربية ويعني “فرخ الثعلب أو الذئب” كما في معاجم اللغة، لذا لم أنتبه قبلها لمغزى عبارات زملاء مثل “اللهم قوِّ إيمانك” أو لحديثهم عن أننا أخوة مهما اختلفت أدياننا، مع دعوات لي بالهداية، بمثل ما لم أفهم سر تزويدي بكرتون من المصاحف الشريفة لمجرد طلبي إحداها، بالتأكيد كان لتوزيعهم على الأهل “المسيحيين” طبعا لهدايتهم!

ولأنني أسلمتُ حديثاـ حسب الشائعةـ استغرب أحدهم، وقال: ولكننا نراه يصوم رمضان معنا ويصلي أحيانا، وأحيانا هذه لها قصة. كان زميلنا “سام” العامل الهندي هندوسيا، ابتسامته لا تفارق وجه قامته الفارعة، ولفرط سذاجتنا في بحثنا عن الأجر والثواب، حاولت مع زملاء إقناعه باعتناق الإسلام، وفعلا.. توضأ لصلاة الظهر، وصعد للمسجد في الدور العلوي، ولانشغالي لم ألحق بهم، لأفاجأ بـه يدخل مكتبي بعد دقائق، قائلا بعربية مكسرة “مستر.. أنا ما في مسلم” أي تراجع عن إسلامه. لماذا يا سام؟ فردّ بغضب “إيش دين هذا في نفر سوّي جنجال مين في قدام؟” وترجمتها “أي دين هذا الذي يتم فيه الخناق على من يصلي إماما؟” لأدرك عمق المشكلة التي جعلتني أصلي وحدي لاحقا.

ولأنهم لم يروني أصلي معهم، فقد صدقوا، وعندما سألني أحدهم باستحياء: كيف تكون مسيحيا واسمك محمد؟ أجبت ساخرا: لأن أمي كانت كلما تنجب ذكرا يموت، فلجأت إلى “شيخ” ـ كعادة القرويين ـ فأخبرها أن عليها إذا رزقت بذكر تسميته محمدا ليعيش! وهكذا كان.

عشت الدور وتعايشت معه حتى نسيته، حتى استدعاني رئيس التحرير يوما لمناقشة أمور تخص العمل، وفي غمرة الحديث سألني فجأة: ألا قل لي يا بوحازم.. أنت فعلا مسيحي وأسلمت؟ تمالكت نفسي وأجبت: هي وصلتك؟ فأكمل متجاهلا: وإن شاء الله تكون المدام أسلمت؟ فقلت: لا.. ظلت على مسيحيتها، هزَّ رأسه:.. وماذا عن العيال؟.. فخرجت عن السيطرة والدموع في عيني من الضحك: كفروا بالإسلام والمسيحية معا.. أصبحوا يهودا!

24