حوار أميركي ــ بعثي مرتقب يغير قواعد اللعبة بالعراق

الخميس 2017/08/17

سادت حالة من الهلع في أوساط حزب الدعوة الإسلامي برئاسة نوري المالكي، وبدأت قياداته في المكتب السياسي ومجلس شورى الحزب عقد سلسلـة اجتماعات، لبحث أنباء وتقارير سياسية، انتشرت على مواقع وشبكات إخبارية وقنوات فضائية عراقية، منذ نهاية الأسبوع الماضي، كشفت عن تبادل رسائل بين وزارة الخارجية الأميركية، وحزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة عزة الدوري خلال الشهور القليلة الماضية، كتبت بلغة هادئة وحملت احتراما متبادلا، وتناولت الكثير من القضايا الخلافية بين الطرفين، الأمر الذي يوحي بإمكانية بدء حوار أميركي – بعثي، يتوقع مباشرته في العام المقبل، وربما في النصف الأول منه، بعد أن يكون التحالف الدولي بقيادة واشنطن قد فرغ من إنهاء وجود تنظيم داعش في أغلب المناطق العراقية.

ووفق تلك التقارير التي أحدثت فزعا ظاهرا لدى الكثير من الأطراف السياسية والكتل النيابية العراقية التي تابعتها بقلق، فإن الإدارة الأميركية توصلت إلى أن الحوار مع حزب البعث بقيادة عزة الدوري، بات ضرورة يفرضها مسار الأحداث السياسية الراهنة في العراق، استعدادا لتدشين مرحلة جديدة أطلق عليها “مرحلة ما بعد داعش”، وعلى ضوء تخندق التحالف الشيعي، باستثناء التيار الصدري، وإصرار أكبر الأطراف فيه (حزب الدعوة) على التشبث بمكاسبه وامتيازاته التي حصل عليها مع حلفائه طيلة سنوات حكمه الماضية، ومطالبته حاليا بإعطاء دور سياسي لميليشيات الحشد الشعبي يضاف إلى مهماتها الأمنية والعسكرية، وسعيه إلى إشراكها في الانتخابات المحلية والبرلمانية المقرر تنظيمها في أبريل من العام المقبل، في وقت ما زال رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي متذبذبا في موقفه إزاء تحول العديد من فصائل الحشد إلى عناوين سياسية، بعضها حصل على الترخيص الرسمي من مفوضية الانتخابات والبعض الآخر ينتظر.

ووفق ناشطين عراقيين يقيمون في الولايات المتحدة ولهم صلات عمل أو تعاون مع دوائر وجهات رسمية أميركية، فإن توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب بالحوار مع حزب البعث، جاءت في أعقاب دراسات أعدتها مراكز بحث شهيرة، ومجموعات استشارية يستعين بها دائما البيت الأبيض ووزارتا الخارجية والدفاع والكونغرس ومستشارية الأمن القومي ووكالة الـ“سي آي ايه”، في إعداد تقييمات وتصورات عن كيفية التصدي للأزمات الدولية وأفضل الحلول والمعالجات لها، وقد أجمعت هذه المراكز وغيرها المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، على أن حزب البعث بقيادة عزة الدوري في العراق يشكل عامل توازن في المنطقة، وهو القوة السياسية الوحيدة التي تمتلك خبرات في مواجهة العنف الطائفي والعنصري، وله تجارب ناجحة بهذا الصدد في السنوات التي سبقت الاحتلال.

وقد توصلت تلك المراكز التي يعمل فيها كثير من وزراء الخارجية والدفاع والدبلوماسيين السابقين والجنرالات المتقاعدين، إلى أن قيادة عزة الدوري لحزب البعث تنتهج الواقعية في نشاطها السياسي، وتجنبت الخوض في نزاعات طائفية وعرقية شهدها العراق في السنوات الماضية، مؤكدة أن البعث هو الحزب الوحيد في العراق الذي يضم قادة وكوادر وأنصارا ومتعاطفين من مختلف الطوائف والقوميات والأقليات، حتى إنه تفوق في تنوعه على الحزب الشيوعي العراقي الذي انشطر قوميا إلى حزبين عربي وكردي، وارتكب رئيسه السابق حميد مجيد الموسى خطيئة سياسية غير مسبوقة، عندما انخرط في عضوية مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله الحاكم الأميركي المدني بول بريمر في صيف العام 2003 ضمن الخانة الشيعية، مما عرضه إلى انتقادات ساخرة شككت بعلمانيته المزعومة، في حين نجح الدوري، رغم أنه من أصول سنية عربية وصوفي السلوك، في ضبط إيقاع الحزب وجنبه الوقوع في المستنقع الطائفي، وقاده في طريق هو أقرب إلى الليبرالية، مع أن الحزب علماني في مبادئه ومفاهيمه، وقومي وحدوي في نزعته ومنهجه، ولكن كفاءة الدوري وواقعيته وتفهمه لظروف العراق، حافظت على استقرار الحزب سياسيا واجتماعيا.

وتستعجل أوساط أميركية مقربة من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، الحوار مع حزب البعث بقيادة الدوري، اعتقادا منها أن هذا الحوار إذا عقد الآن فإنه أفضل لأميركا وأنفع للعراق من انتظار حوار أميركي قد يتأخر مع الحزب في غياب الدوري لأي سبب كان، خشية ظهور قيادة متشددة تقود جيلا بعثيا متمردا، لا يقبل اللقاء مع واشنطن مستقبلا، وقد لوحظ في الفترة السابقة نزول أعداد كبيرة من السفراء والدبلوماسيين السابقين والجنرالات المتقـاعدين ممن عملوا في العـراق بعد احتلاله، إلى ساحات السجال السياسي، ونقد سياسات وإجراءات الرئيسين السابقين جورج دبليو بوش وباراك أوباما في العراق بشدة، من ضمنهم السفير بول بريمر، موقع قرار اجتثاث البعث الذي اعترف بأنه نفذ ما صدر إليه من واشنطن بهذا الخصوص.

ووفق مصادر في مكتب العلاقات الخارجية لحزب البعث وهو أنشط مكاتب الحزب وله تمثيل في عدد من الدول الأوروبية كفرنسا والنمسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا إضافة إلى الولايات الأميركية، فإن الرسائل لم تنقطع بين الحزب ووزارة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس ترامب، وقد ساهمت هذه المراسلات في كسر الحاجز النفسي والسياسي بين الجانبين، خصوصا وأن الرئيس الأميركي الحالي، أشاد في حمـلاته الانتخـابية بسياسات رئيـس النظام السابق صدام حسين (رغم دكتاتوريته) في بسط الأمن والاستقرار في العراق، وتصديه الحازم لإيران ومشاريعها العدوانية في المنطقة، وتهكم على بوش الذي قاد حملة غزو العراق، وسخر من أوباما الذي سحب قواته، تاركا البلد في فوضى عارمة استغلتها إيران وأحزابها وميليشياتها.

الحوار الأميركي البعثي الذي يتوقع أن تكون جولته الأولى في عاصمة أوروبية يعتقد أنها باريس، ستترتب عليه نتائج وانعكاسات على العراق، لا نريد استباق الحديث فيها ونترك للمستقبل القريب الكشف عنها.

كاتب عراقي

8