حوار استراتيجي حذر بين واشنطن والقاهرة

جهود سياسية ضخمة ومحاولات جادة تدار من وراء الكواليس في الداخل الأميركي لرأب صدع العلاقات بين القاهرة وواشنطن، بعد أن شهدت توترات مفصلية كادت أن تحدث قطيعة بين البلدين. لكن، الجانبين وحلفائهما، يدركان أهمية كل طرف بالنسبة إلى الآخر، وهذه الأهمية هي التي حافظت على شعرة معاوية بين القاهرة وواشنطن، إذ من المقرر أن تستأنفا أعمال الحوار الاستراتيجي بينهما يومي 28 و29 من شهر يونيو الجاري في واشنطن، بعد فترة من التأجيلات، بسبب الخلاف الذي خيم على العلاقات.
الثلاثاء 2015/06/16
رئيس الدبلوماسية الأميركية جون كيري: التعاون مع مصر يخدم أمننا القومي

تتسّم السياسة التي انتهجتها الإدارة الأميركية تجاه مصر، طوال الفترة الماضية، بالارتباك. ولم يتّضح، منذ الخلاف الذي اندلع مع اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، على خلفية الموقف من الإخوان، موقف واشنطن النهائي من بعض القضايا الحيوية، وازداد الأمر سوءا عقب تعليق المساعدات العسكرية لمصر، في وقت كانت فيه البلاد تخوض حربا شرسة ضد الإرهاب.

وترى دوائر سياسية كثيرة في مصر أن انعقاد الجولة الجديدة من الحوار الإستراتيجي سيكون بمثابة نقلة نوعية، وتمهيدا لمزيد من التحسن الدبلوماسي، لكن هناك من اعتبر اللقاء المنتظر غير كاف للقطع بوجود تحول إيجابي كبير، يزيل السحب التي تراكمت خلال العامين الماضيين، بين بلدين تربطهما علاقة استراتيجية هامة في منطقة الشرق الأوسط.

وبخصوص الحوار المنتظر، أكد السفير بدر عبدالعاطي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، أنه سيتم التشاور خلال الحوار على مجمل العلاقات الثنائية ومكافحة الإرهاب وسبل استقرار الشرق الأوسط. وقال عبدالعاطي، في تصريح لــ”العرب”، إن الحوار الاستراتيجي يدشّن لمرحلة جديدة من التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين، وهو ما يتوازى مع الجهد المبذول لدفع عجلة التعاون الاقتصادي.

وقد شهدت الفترة الماضية زيارات عدد كبير من قيادات وأعضاء الكونغرس الأميركي ومساعديهم، بهدف الاطلاع على حقيقة الأوضاع في مصر، والتعرف على رؤية الحكومة للمستقبل، والدور الذي تأمل مصر أن تلعبه الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة لدعم الدولة المصرية واقتصادها.

وكان إريك تراجر، الخبير الأميركي في الشؤون المصرية، طالب الكونغرس الأميركي بضرورة دفع إدارة الرئيس باراك أوباما إلى إجراء حوار استراتيجي مع مصر. وقال تراجر، في شهادته أمام جلسة استماع عقدتها اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية بمجلس النواب الأميركي، شهر مايو الماضي، إن المناخ الإقليمي الحالي يحتم على الولايات المتحدة استعادة علاقتها مع مصر على أساس المصالح الاستراتيجية المشتركة.

وأكد أن الحوار الاستراتيجي سيكون بمثابة فرصة هامة لمراجعة المساعدات العسكرية في إطار ثنائي وتنسيق استراتيجيتي بين الدولتين وفقا لنطاق واسع من التحديات الإقليمية. ولفت إلى أن مصر تعتبر حاليا شريكا استراتيجيا ضد إيران بعد أن كانت العلاقات المصرية الإيرانية قد شهدت نوعا من الدفء في عهد الإخوان.

اريك تراجر: الحوار الاستراتيجي فرصة هامة لمراجعة المساعدات العسكرية

وأضاف تراجر، في تحليل حديث صدر عن معهد واشنطن للدراسات، أن التعاطي مع مسؤولي الإخوان سيقوّض جهود الإدارة الأميركية الرامية إلى تعزيز العلاقة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، والتي شملت في الأشهر الأخيرة استئناف المساعدات العسكرية للقاهرة ودعم مؤتمر شرم الشيخ الاستثماري. وختم قائلا: يجب على إدارة أوباما ألا تسمح باستخدامها كأداة دعائية في حرب الإخوان المستمرة ضدّ الحكومة المصرية. وباختصار، ينبغي أن لا تسمح للإخوان بخداعها مرتين.

حليف دائم

إثر انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس الأميركي أبدى أعضاء في الحزب الجمهوري رغبة قوية لإعادة العلاقات لسابق عهدها، ومارسوا ضغوطا كبيرة على الرئيس الأميركي باراك أوباما لعدم التفريط في العلاقات الحيوية مع مصر، خاصة وأن روسيا وجدت في ذلك فرصة هامة لإعادة بناء علاقات متينة مع مصر، كما حدث أيام الاتحاد السوفييتي.

وكلا الجانبين ينظر إلى مصر باعتبارها نقطة ارتكاز إستراتيجية وقاعدة رئيسية في الشرق الأوسط، لذلك عبّر الجمهوريون عن قلقهم من خسارة حليف مؤثّر في المنطقة، وصمموا على رفض المزيد من الاهتزاز لعلاقات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصة على ضوء الاتفاق النووي مع إيران وتداعياته على العلاقات مع دول الخليج.

ووافقت لجنة الاعتمادات التابعة لمجلس النواب بالكونغرس في اجتماعها يوم 11 يونيو الجاري على مشروع قانون المساعدات الخارجية، والخاص بالسنة المالية 2016 والمتعلقة بالعمليات الخارجية للولايات المتحدة (SFOPS)، ولم تطرأ تعديلات تتعلق بالجزء الخاص بمصر، وسوف تستمر المساعدات العسكرية المقدمة إليها والتي تقدر بـ1.3 مليار دولار.

وأشارت رئيسة اللجنة النائبة كاي جرانجر (عن ولاية تكساس) إلى أنه في الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط حالة من الاضطرابات تحتاج الولايات المتحدة لمصر كحليف مستقر لديها، وأن الأموال التي تم تخصيصها لمصر في مشروع القانون تعكس التزام واشنطن الواضح للحفاظ على العلاقة مع القاهرة.

لكن، الحفاظ على المساعدات الأميركية لمصر، لا يلغي حالة القلق والشك تجاه واشنطن، خاصة وأن العلاقات “الدبلوماسية”، غير الرسمية، مع الإخوان مازالت قائمة، حيث أعلن، مؤخرا، عن زيارة وفد جديد من الإخوان للولايات المتحدة، الأمر الذي اعتبرته القاهرة بمثابة انتهاك للعلاقة الثنائية.

ومن المشكّكين في صدق النوايا الأميركية، على الأقل في عهد إدارة أوباما، اللواء حمدي بخيت، الخبير الاستراتيجي، الذي قال لـ”العرب” إن الولايات المتحدة لا تزال تراوغ في ملف المساعدات، فتارة تعلن الموافقة على إرسالها وأخرى تتلكأ.

وأشار بخيت إلى أنه لا يعول على الإجراءات المتفائلة الأخيرة، إذ تبدو كأنها في إطار توزيع الأدوار أو الاستهلاك المحلي، وضمن حسابات معقدة تتعلق بالانتخابات الأميركية، وهناك الكثير من الأطر التي تتحكم في التصريحات الإيجابية.

المناخ الإقليمي الحالي يحتم على الولايات المتحدة استعادة علاقتها مع مصر على أساس المصالح الاستراتيجية المشتركة

وتابع أن الإدارة الأميركية منقسمة على نفسها حيال مصر، فالرئيس الأميركي ومجلس الأمن القومي وجهاز الاستخبارات في واد، في حين أن وزارتي الخارجية والدفاع والكونغرس في واد آخر، لذلك يجب على مصر ألا تعول عليها كثيرا، ولا تعلق آمالا كبيرة على التوجهات الجديدة.

وطبيعي، كما قال بخيت، أن تنتهج واشنطن مثل هذه السياسة تجاه مصر، فسياستها الخارجية تتعامل دائما مع حلفائها وفق مقتضيات الموقف، ومدى الاستفادة منه، مضيفا “لا أحد يمكنه تجاهل الدور الذي لعبته مع جماعة الإخوان واستضافة عناصر منها في وزارة الخارجية الأميركية”. وشكك في طبيعة الدور الذي تقوم به السفارة الأميركية في القاهرة، ووصفه بـ”المشبوه”، حيث بدأت مرة أخرى تلتقي عناصر سياسية تهاجم النظام المصري”.

سياسة المصالح

استقبل ستيفن بكروفت، السفير الأميركي في القاهرة، مؤخرا عددا من رموز الأحزاب والقوى السياسية في مصر بمقر السفارة، الأمر الذي أبدت القاهرة عدم ارتياحها له وبلّغت ذلك للسفير الأميركي، في خطوة اعتبرها سعيد اللاوندي، الخبير في العلاقات الدولية، وسيلة دبلوماسية للتعبير عن الامتعاض من زيارة شخصيات من جماعة الإخوان إلى واشنطن، مشددا على أن مصر تحرص على عدم التفريط في علاقتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في حدود الحفاظ على أمنها واستقرارها.

وقال اللاوندي، في تصريح لـ”العرب”، إن مصر امتلكت العديد من أدوات الضغط على الولايات المتحدة لوقف اللقاء مع الشخصيات الإخوانية، ونجحت في تحقيق هذا الغرض، مشيرا إلى أن موافقة الكونغرس على استئناف المساعدات كشف أن هناك تغيرا نسبيا في السياسة الأميركية تجاه مصر، لكن هذا التغيير يظل ظاهريا فقط،

فواشنطن كثيرا ما تفعل الشيء ونقضيه في آن واحد. وأوضح أنها تسعى لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد، وتناور للوصول إلى غايتها، وتحاول اكتساب ثقة مصر بعودة المساعدات، والتظاهر برفع يدها عن جماعة الإخوان.

من ناحية أخرى، قالت نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن البلدين تحكمهما علاقات منفعة إستراتيجية هامة، وهناك العديد من اللقاءات المستمرة بين الجانبين.

وأكدت بكر لـ”العرب” أن استدعاء السفير الأميركي بالقاهرة لمقر الخارجية المصرية مؤخرا، لم يكن في إطار الضغط على الولايات المتحدة لوقف اللقاء مع ممثلي الإخوان، لكنه ضمن اللقاءات المعتادة للحوار والتشاور، رافضة الحديث عن أوراق ضغط مصرية لمنع إتمام اللقاء، وأن العلاقات بين الدول ترسمها قواعد سياسية، وتلعب فيها المصالح دورا محوريا.

6