حوار الثقافات والديانات على خشبة المسرح المغربي

الجمعة 2014/08/01
"بين بين" عرض يجمع بين عشيق وعشيقة، يفكران في الزواج، ولكنهما ينتميان إلى ديانتين مختلفتين

"بين بين" هي المسرحية التي فازت بالجائزة الكبرى لمهرجان المسرح المغربي الذي انعقد مؤخرا، أنتجها طاقم من المسرحيين الشباب، بعد أن كتب فصولها ثلاثة منهم، وأخرجها المخرج الشاب محمود الشاهدي.

تتناول المسرحية حوار الثقافات في مسارات مختلفة، وتحاول ملامسة التعدد الثقافي بين ضفتي المتوسط، الشمالية والجنوبية، وتعمق هذا التناول باقتراح التفكير في العلاقات بين الديانات من خلال تفاصيل الحياة اليومية لعشيقين حائرين بين حب يجمعهما، وديانتين تفرقهما.

ولكن المسرحية لا تتوقف عند حدود التناول الموضوعي، بل تختار جماليات “بيْنية” هي الأخرى، وتبني خشبة المسرح وفق نفس البينية. فالخشبة شبه فارغة إلا من عازفين موسيقيين في الخلفية، وكأن المسرحية تقع بين فن المسرح وفن الموسيقى، ولا يؤثث الخشبة غير قماش أبيض مستطيل وضع فوقها، يضاء مثل ممر عارضات الأزياء، يستغله الممثلون لأداء أدوارهم. وبكل بساطة، تبدأ المسرحية بكلمة عادية، وعميقة في الآن نفسه: “تخيّلْ…” وتكون عبارة عن سفر في الخيال: تخيل طائرة المسافر العربي الوحيد فيها هو الربان”… وتستمر هكذا لبرهة من الزمان.

ثم تستأنف الحديث عن تعدد الثقافات بين حدّين، حدّ الائتلاف وحدّ الاختلاف. الحدّ الأول يبرز في المقطع الأول: تخيل أن جميع الناس يملكون نفس الاسم: “حَمُّودة”. بعدها، يلتقي حمودة القاطن في البلد الأصلي (المغرب) وحمودة القاطن بشمال المتوسط، الأول يملك جواز سفر أخضر، جواز مغربي، والثاني يملك جواز سفر أحمر. فرنسي على الأرجح. الأول راض عن وضعه يحلم بالهجرة هناك، والثاني تعب من الهجرة. وتعب من هناك. ويتخلى لصديقه عن جواز السفر الأحمر.

وإذا كان المقطع الثاني من المسرحية يبدو مستقلا، يطرح مسألة العلاقات الاجتماعية من خلال التفكير في مفهوم الصداقة، يبدو أن التركيز وقع على الموضوع الأساسي في المقطع الثالث، الذي يجمع بين عشيق وعشيقة، يفكران في الزواج، ولكنهما ينتميان إلى ديانتين مختلفتين.

طبعا، لا تقع المسرحية في الخطاب المباشر، وتتجه إلى صناعة الفرجة الكوميدية، ويجتهد العشيقان في مداراة الزواج والبوح بالحب. هل يدخل العشيق في دين عشيقته أم العكس؟ ورغم أنهما متخففان من الالتزام الديني الصارم، لكنهما يصبحان متشبثين بديانتيهما حدّ التطرف بسبب العناد. كيف إذن تستقيم حياة يومية هادئة، وكل دين يأمر بما لا يرضي الطرف الآخر؟ وكيف سيكون مصير الأولاد؟ أي دين سيتبعون؟ دين الأم أم دين الأب؟ وكيف ستحتفل العائلة بأعيادها؟ هذه هي التفاصيل الصغيرة التي تهم أكثر من الحديث النظري المتضخم.

طبعا، لا تقدم المسرحية أجوبة نهائية، ولا تنخرط في خطاب مباشر، ولا تنحاز إلى جهة دون أخرى، بل تراهن على الفرجة، وعلى لعب الممثلين، خاصة مع ممثلين مقتدرين من عيار عادل أبا تراب وهاجر الشركي اللذين أديا دوري العشيقين بامتياز. في الأخير، ينتصر الحب، وتتراجع أصوات الكراهية، وتزرع المغنية الخشبة ورودا حمراء، على إيقاعات موسيقى تثير سامعيها فيتماهون معها.

المسرحية في النهاية مسكونة بأحلام أجيال من الشباب، أجيال تعيش على ضفاف بحر المتوسط، الذي لا تفصل بين شماله المتقدم السابح في الرخاء، وبين جنوبه الفقير غير كيلومترات قليلة، إلى درجة أن أنوار مدن الجنوب الإسباني تبدو منيرة من طنجة المغربية، والعكس صحيح. هذا العالم المتوسطي الذي تبادل، ولا يزال، جنوبه مع شماله هجرات كثيفة، تجعل من الملحّ التفكير في تنوعه الثقافي والإثنوغرافي، وتعدد لغاته وثقافاته وديانته وتقاليده.

17