حوار الطرشان

الأربعاء 2013/08/21

يقوم الحديث الصحفي أو الحوار الصحفي على النقاش بين المحرر الصحفي وشخصيته من الشخصيات، وهو يستهدف الحصول على أخبار أو معلومات أو بيانات، أو شرح وجهة نظر معينة، أو إبراز جوانب طريفة في حياة تلك الشخصيات.

عرفت الصحافة الحديث الصحفي مع مطلع القرن التاسع عشر بيد أنه لم يستخدم بشكل عام كفن من الفنون الصحفية إلا مع بداية القرن العشرين، ثم أخذت مكانته فى تزايد حتى أصبح واحداً من فنون العمل الصحفي التي لا تستطيع الصحافة أن تقوم بدونه.

ولكن هذا الفن أخذ يتردى عند البعض في عالمنا العربي، الذي لا يتقن مهنته، أو يفتقر إلى الأصول التي يعتمد عليها الحوار، وأهمها المعرفة. بعض الحوارات تثير الضحك فعلاً وتفضح جهل صاحبها، وينكشف ذلك في الندوات واللقاءات والمناظرات حيث اعتادت أن تأتي بصحافيين نجوم لامعين في القنوات التلفزيونية كما حصل في منتدى الأعلام العربي الأخير في دبي. هؤلاء أداروا حوارات مباشرة على المسرح حضرها عشرات المئات من الجمهور، مع فلاسفة ومفكرون وأدباء وباحثون، ولكن هناك في مقابل كفة الميزان الأخرى صحافيون نجوم ولكن يكشفون عن جهلم أثناء الحوار، بل ويتبيّن من أن الصحافي لا يعرف شيئاً عن هذه الشخصية أو تلك أو حتى غير قادر على قراءة سيرتها الذاتية، كما لا يعرف حتى الكتب التي أصدرتها تلك الشخصية. فتظل الأسئلة تدور في فلك: ما هو رأيك في الأدب العربي المعاصر؟ هل تعتقد أن…..؟ لماذا أنت ….؟ وهذا دون أن يتقرّب أي واحد من هؤلاء الصحافيين من جوهر كتبهم ومحتوياتها. ويلجأ البعض من الصحافيين إلى القول، متوجها إلى الشخصية التي يحاورها: هل يمكن التعريف بنفسك؟ حتى أن صحافياً "كبيراً" في احد القنوات وهو يحاور شخصية مهمة، ذكر له شخصية فرانس فانون. فيرّد عليه الصحافي بكل "صفاقة": من هو فرانس فانون؟ ويضيف بلا خجل: أنا لم أسمع بهذا الأسم في حياتي!

كيف يحاور صحافي شخصية تتحدث عن الجزائر دون معرفة فرانس فانون؟ كأن تقول من هو كارل ماركس؟

وهناك حكايات طريقة أخرى، حتى أن صحافية كانت تحاور شخصية معروفة، وفي نهاية الحوار، وبعد أن أغلقت آلة التسجيل: قالت له: أستاذ ما هو أسمك؟

الندوات واللقاءات والمناظرات الجادة لا تأتي بهؤلاء الصحافيين إلا لكونهم نجوم شهيرين في قنوات التلفزيون، ولهم القدرة على اشغال الجمهور عن طرح الأسئلة الجادة، استخدام تأثير صورتهم التلفزيونية لا أكثر ولا أقل، بل هم يساهمون في تجهيل الجمهور، وتبسيط فكر الشخصيات التي يحاورنها.

وللاسف الشديد، إن بعض الصحف تكلّف الصحافيين المبتدئين وتزجهم في إجراء الحوارات، ولك أن تتخيّل الاحراج الذي يتشببه ذلك في المواجهة بين شخص يطرح الأسئلة على أديب دون أن يقرأ أعماله، كمن يكتب عن فيلم لم يشاهده. لذلك تأتي الأسئلة ساذجة ولا معنى لها.

هذا ما يحصل عندنا في العالم العربي، ولكن ذلك لا يحدث في الغرب أبداً بل أن الوضع الثقافي لا يسمح بذلك. فما بالك أن بعض الصحافيين يجرون حواراً مع أديب أو فيلسوف دون أن يعرفوا اللغة التي يتحدث بها، وذاك لا يعرف اللغة العربية، ولا أدري كيف يتم الحوار بين شخصين يجهل أحدها لغة الآخر كأن الحوار يتم بلغة الاشارة.

الحوار الصحافي أو الأدبي ليس للمبتئدين أو نجوم المذيعين الجهلة كما يتخيّل بعض مدراء التحرير أو رؤساء الأقسام بل هو من أصعب فنون الصحافة وأعقدها.

14