حوار الطرشان بين أطراف الصراع السياسي في الجزائر

قايد صالح وأحمد الإبراهيمي ينفيان أن يكون لهما طموحات سياسية في المستقبل، واقتحام مكتب رئيس حزب جبهة التحرير الوطني ودفعه إلى الاستقالة من منصبه.
الخميس 2019/05/23
صراخ لا يسمعه الجيش

 الجزائر – يسير انغماس دوائر النظام الجزائري في مستنقعات السلطة، عكس الانطباعات التي تحاول بعض الوجوه تسويقها للرأي العام المحلي، على غرار الرجل الأول في المؤسسة العسكرية الجنرال أحمد قايد صالح، والدبلوماسي المتقاعد أحمد الإبراهيمي، ففي ذروة الانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد، يظهر الرجلان غير متحمسين للسلطة، رغم الصراعات الخفية حولها.

ونفى الجنرال قايد صالح أن يكون للجيش أو لضباطه السامين طموحات سياسية في المستقبل، قاطعا بذلك الطريق على كل التلميحات التي أشارت إلى أن الجيش يريد الاستحواذ على السلطة في البلاد، وفرز رئيس جمهورية جديد موال للمؤسسة ولتوجهاتها السياسية والأيديولوجية.

وأكد في تصريحات الأربعاء، في مقرّ الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، بأن الجيش يحترم الدستور وقوانين الجمهورية، ويرافق بصدق وصراحة الشعب الجزائري، وتابع “ليعلم الجميع إنه ملتزم أكثر من مرة وبوضوح أنه لا طموحات سياسية لديه سوى خدمة بلاده”.

وتطابق تعفف الجنرال قايد صالح عن السلطة، مع رسالة صدرت عن أحمد طالب الإبراهيمي ضمّنها اقتراحات لحل الأزمة السياسية التي دخلت شهرها الرابع، مع التركيز على عدم وجود أي طموحات سياسية شخصية له، لكن رغم هذا النأي بالنفس من طرف رجلين من السلطة والمعارضة، إلا أن حالة الانسداد السياسي ماضية نحو المزيد من التعقيد.

وإذ تسير نخبة النظام إلى الانقراض الطبيعي بحكم التقدّم في السن، (الإبراهيمي 87 عاما)، (قايد صالح 80 عاما)، فإن منتوج مرحلة نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، دخل مرحلة الذروة وكل المؤشرات توحي إلى أنه سيستلم المشهد على طريقته من أسلافه.

حوار الطرشان
حوار الطرشان

وقام أعضاء من الكتلة النيابية لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، صباح الأربعاء باقتحام مكتب رئيس الهيئة والمنسق السابق للحزب معاذ بوشارب، لمنعه من مواصلة أشغاله ودفعه إلى الاستقالة من منصبه، وشدد هؤلاء على أن الكتلة قرّرت تجميد نشاطها إلى غاية رحيل رئيس البرلمان.

وتؤكد الوقائع التي تعيشها أروقة المجلس الشعبي الوطني، أن نفس الممارسات والسلوكات، التي أطاحت بالرئيس المخلوع سعيد بوحجة من رئاسة البرلمان، ودفعت بالنائب معاذ بوشارب، لاستخلافه واستخلاف جمال ولد عباس، في هرم الحزب، رغم عدم شرعية الخطوتين، تتكرر الآن مع في الاتجاه المعاكس، وتهيئ النائب بهاءالدين طليبة، لشغل المنصب المذكور.

ولا يستطيع الجنرال أحمد قايد صالح، إقناع الجميع بزهد المؤسسة العسكرية في المناصب السياسية، في ظل تنامي المؤشرات التي أخرجت رجالاته إلى الواجهة، فقيادة الحزب الحاكم، عادت لمحمد جميعي، المحسوب على الأمين العام السابق عمار سعداني، ويجري الدفع ببهاءالدين طليبة لاستخلاف معاذ بوشارب في هرم الغرفة الأولى للبرلمان، والرجلان (سعداني وطليبة) يدرجان في خانة المقربين من الجنرال قايد صالح.

ويسود حوار الطرشان بين الجيش والحراك والشعبي ولم يصدر أي رد صريح من الجنرال قايد صالح، على الدعوات التي وصلته من طرف الطبقة السياسية لأداء دور أكثر وضوح وشفافية ومرافقة حقيقية للشعب الجزائري في أزمته.

ويبدو أن قايد صالح اكتفى بالردود المبطنة، على دعوات الحوار بينه وبين الطبقة السياسية والمجتمع المدني، وذلك بإبداء نوايا التعفف عن السلطة والطموحات السياسية، بغية الظهور في ثوب غير المعني بالتجاذبات السياسية، وحصر دوره في احترام الدستور ومحاربة الفساد.

وذكر قايد صالح في هذا الشأن “من أهم العوامل التي ندرك جيدا أنها توفر بوادر الارتياح لدى المواطنين، هي تحرر العدالة من كافة أشكال القيود والإملاءات والضغوطات، مما سمح لها بممارسة مهامها بكل حرية، وبما يكفل لها وضع الأيدي على الجرح وتطهير البلاد من الفساد والمفسدين، إلا أن أبواق العصابة وأتباعها، تحاول تمييع هذا المسعى النبيل من خلال مغالطة الرأي العام الوطني، بالادعاء أن محاسبة المفسدين ليست أولوية ولم يحن وقتها بعد، بل ينبغي الانتظار إلى غاية انتخاب رئيس جديد للجمهورية الذي سيتولّى محاسبة هؤلاء المفسدين”.  وفي رسالة وجهها للرأي العام الجزائري، بعد خارطة الطريق المشتركة مع كل من الحقوقي علي يحيى عبدالنور، واللواء المتقاعد رشيد بن يلس، عاد الإبراهيمي، إلى الربط بين جيل ثورة التحرير وجيل الحراك الشعبي الذي أعاد الأمل والطموح للبلاد.

وشرح أسباب عدم تناغمه مع دعوات قيادة الحراك أو الحديث باسمه أو تمثيله، ولخصها في “تفادي كل تفسير خاطئ يوحي برغبة في استغلال الموقف من أجل التربح السياسي، أو تصفية حساب مع الرئيس السابق، والابتعاد عن تكريس الزعامة وعبادة الشخصية التي قضت عليها ثورة التحرير قبل أن يعاد إحياؤها اليوم”.

ولفت الإبراهيمي إلى أن “مشروعية المؤسسة العسكرية في الظروف الحالية، لا يتوجّب أن تتجاوز شرعية الشعب”، في إشارة إلى وجوب تناغم المؤسسة العسكرية مع مطالب الشارع، والى ضرورة عدم قراءة التطورات خارج إرادة الشعب، والسعي إلى إعادة إنتاج النظام بآليات ووجوه جديدة.

وشددت الوثيقة على “الجمع بين المرتكزات الدستورية في المادتين السابعة والثامنة وما يتسع التأويل فيهما على اعتبار أن الهبة الشعبية استفتاء لا غبار عليه”، وأن “الحكمة تقتضي تغليب المشروعية الموضوعية على المشروعية الشكلية انطلاقا من حق الشعب في التغيير المستمر، فالدستور هو من وضع البشر، أي أنه لا يجب أن يكون متخلّفا عن حركة الواقع، ولا ينبغي أن يكون مُعوقا لحركة المستقبل”.

4