حوار الطرشان بين الحكومة والأحزاب في مصر

الاثنين 2015/04/13

الحوار السياسي بين أي حكومة في العالم والقوى الحزبية المحلية، يعني فتح طاقة أمل لتقريب المسافات المتباعدة بين الطرفين، لكن يبدو أن منطقتنا العربية كالعادة تشذ دائما عن الكثير من القواعد الراسخة في وجدان الناس، فغالبية الحوارات الداخلية التي تتم بين قوى وأحزاب مختلفة والحكومة المركزية، تفضي إلى مزيد من التشتت والانقسام، بدلا من التقارب والتفاهم والوئام والتوصل إلى قواسم مشتركة.

من ينظر إلى الخلافات السياسية والصراعات المسلحة في معظم الدول العربية، يتأكد من صعوبة العمل على نقاط الاتفاق، ويجد تصميما على السعي وراء تعميق الخلاف، ولنا في السودان مثلا سيئا للمراوغة والهروب من مواجهة الاستحقاقات.

آخر تجليات هذه الظاهرة الخطيرة بدأت في مصر، حيث دخلت الحكومة في سلسلة من الحوارات مع مجموعة من الأحزاب والشخصيات، التي تمثل عددا كبيرا من ألوان الطيف السياسي، للوصول إلى صيغة تفاهم بشأن تعديل بعض مواد قانون الانتخابات، التي أبطلتها المحكمة الدستورية العليا.

الأمر الذي أدى إلى وقف إجراء الانتخابات البرلمانية، التي كان من المتوقع أن تجري مراحلها الثلاث خلال شهري مارس وأبريل، وهي تعد الخطوة الأخيرة في خطة خارطة الطريق، حيث تم الانتهاء من خطوة الدستور، ثم الانتخابات الرئاسية.

كان من المفترض أن يكون الحوار بادرة جيدة من الحكومة التي تسعى إلى إجراء هذه الانتخابات بأقصى سرعة ممكنة، وكان من المتوقع أن تستثمر الأحزاب الحوار لتضمين وجهة نظرها في المواد المرفوضة، وصياغة مواد لا يتم الطعن فيها لاحقا، وكان من المفترض، أيضا، أن يستثمر كل طرف هذا الحوار لإثبات جديته، وعدم الانسياق وراء الشعارات الزائفة، التي لا تتناسب مع طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.

النتيجة التي أسفرت عنها ثلاث جولات للحوار الأسبوع الماضي، رسخت قناعات المراقبين نحو عدم القدرة على الشفاء من الأمراض السياسية، التي تنخر جسد الكثير من الدول العربية، فلم تخرج المناقشات بنتيجة واحدة تشي باقتراب التفاهم، أو حتى بإمكانية الاتفاق على أجندة للحوار.

القضايا تفرعت ودخلت في دهاليز ودروب غير مطروحة أصلا، وبدلا من تركيز الحوار حول النقاط التي أبطلتها المحكمة الدستورية، تشعب وامتد إلى نقاط ليس هذا أوان مناقشتها، وجرى تناسي الأساس الذي انعقد من أجله الحوار، وهو وضع صيغة قانونية تمهد الطريق لإجراء الانتخابات. الحكومة من جانبها استغرقت، كعادتها، في محاولة الانتهاء من المواد التي تم إبطالها بأي شكل، وإقناع الأحزاب أن هذه الطريقة الوحيدة للتعجيل بالانتخابات، وتجاهلت أن سلق القوانين، هي التي قادت إلى المأزق الراهن، وبدت غير عابئة كثيرا باحتمال الطعن مرة أخرى في ما يتم إعداده من قوانين.

الأحزاب المشاركة في الحوار، اتخذت طريقا أشد صعوبة، فقد انبرى بعضها لتوسيع دائرة الحوار، والحديث عن قوانين لم يتم الطعن فيها أصلا، بل طرحت تعديلات لقوانين تتناقض مع الدستور، وهو ما يدخل البلاد في دوامة من الحسابات المعقدة، تؤدي إلى ضياع المزيد من الوقت، وبالتالي تأجيل الانتخابات، بصورة تضع على عاتق الحكومة أعباء فوق طاقتها، خاصة أنها متهمة بتحمل مسؤولية إبطال مواد في قانون الانتخابات.

الآفة المشتركة بين الطرفين، أن كل جانب تصور أنه الوحيد الأمين على المصلحة المصرية، حتى لو كانت رؤيته خاطئة، ويحرم الآخر منها، وهي عادة سيئة تسببت في إفشال الكثير من الحوارات السابقة، وبلا مبالغة يمكن القول أن جميع الحوارات التي جرت من قبل، لم تسفر عن نتائج حقيقية تنهي الخلاف السياسي، أو تساهم في تجاوز بعض العقبات، لذلك لم تتحرك سفينة الحوار، مهما تظاهرت أطرافه المحلية بالبراءة، أو ادعت حسن النوايا.

الحوارات التي تشبه هذا النوع مكتوب عليها الفشل، قبل أن تبدأ حلقاتها، لأن كل طرف يدخلها وفي جعبته أهداف شخصية وسياسية، لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، وإذا اضطر البعض إلى التظاهر بالتفاهم والتوافق خلال المناقشات لأسباب ودواع خفية، سرعان ما ينصرف عنها بعد الخروج من قاعة الجلسات، ويكيل الاتهامات السياسية ويوجه اللكمات المعنوية والرمزية، عسى أن يكون في بؤرة الأضواء الإعلامية.

الحصيلة النهائية لما يمكن وصفه بحوار الطرشان تعمق الانسداد السياسي، وتغلق الطريق أمام التوصل لمفهوم متحضر للديمقراطية، وتبعد الجميع عن فكرة الإصلاح، الذي يرفع شعاراته الجميع في الخطاب السياسي، وترسخ مبدأ التجاذبات، الذي تحرص عليه كثير من القوى الحزبية لإخفاء علامات الإخفاق، وتجعل أي عملية انتخابية رهينة ارتباطات وتشابكات تبتعد غالبا عن أسس الممارسة السياسية.

الأصعب أنها توجد مبررات لبعض الممارسات الدكتاتورية، فإذا فشلت الحكومة المصرية في التوصل لصيغة تفاهمية بشأن قانون الانتخابات، سوف تمارس صلاحياتها في إصدار قانون بمفردها، دون مراعاة لتحفظات واعتراضات القوى الحزبية الأخرى، وهو ما يدفعها إلى الصياح والصراخ أنها منبوذة، وآراءها السياسية مرفوضة، فتمارس عملية ابتزاز جديدة، وهكذا يستمر الدوران في حلقة مفرغة، نتيجتها الطبيعية عدم القدرة على إحداث تقدم حقيقي في العملية السياسية برمتها.

من يدقق في الحوارات التي جرت في مصر الأسبوع الماضي، يجد نفسه مضطر لعدم التفاؤل تجاه ما ستسفر عنه قريبا، الأمر الذي يضع الانتخابات المقبلة أمام خيارين، أحدهما الرضوخ للاستمرار في حوار بلا طائل ثبت مبكرا انتفاء فاعليته، وزيادة الهواجس نحو إجراء الانتخابات البرلمانية في المدى المنظور، والثاني عدم الالتفات لكل ما تسفر عنه المناقشات، وإصدار قانون ليس من المستبعد أن يكون محل طعن من المحكمة الدستورية، التي تمارس رقابة لاحقة على إصدار القوانين، فيظل البرلمان معلقا في رقاب الحكومة والأحزاب.

كاتب مصري

9