حوار الغاضبين من الأحذية إلى الرصاص

الخميس 2016/12/22

لا يمكن لأيّ إنسان عاقل وعادل وغير ملوث بالتطرف والتعصب الديني أو الطائفي أو العنصري أن يتشفى باغتيال السفير الروسي في تركيا. لا لأنه، برغم أهمية منصبه، يظل موظفا غير أساسي في هرم الحكم البوتيني، وبالتالي فإن قتله أو أي سفير روسي آخر أو أي وزير، أو حتى رئيس أركان الجيش الروسي، أو رئيس الوزراء لن يلوي ذراع فلاديمير بوتين، ولن يجبره على تغيير سياساته والتخلي عن أهدافه التوسعية.

كما أن قتل أي موظف، صغير أو كبير في النظام الروسي أو الإيراني أو الأسدي، مهما عَظـُم دوره في حرب الإبادة الهمجية في سوريا، عموما، وفي حلب، خصوصا، لن يعيد إلى الحياة أولئك الذين دفنتهم تحت الأنقاض جيوش الروس، وشبيحة بشار الأسد، و”صولات” الجيوش الإيرانية والعراقية واللبنانية والأفغانية التي قادها وأشرف على “جهادها” المقدس قاسم سليماني قائد الفتح الإسلامي المظفر لبلاد الكفر السني، وحارس الهلال الشيعي الجديد.

ولكن الذي ينبغي الاعتراف به هنا أن بوتين وخبراءه العسكريين والمدنيين، وقادة طيرانه وبوارجه الحربية المدججة بكل أنواع الأسلحة التدميرية المتطورة، لا يتحملون مسؤولية ما قاموا به من قتل وتدمير في سوريا، وفي حلب بشكل خاص، فقط، بل إنهم مسؤولون، مسؤولية كاملة، عمّا فعله الإيرانيون وميليشياتهم من تهجير وهدم وقتل وحرق ليس ضد المسلحين الذين قاتلوهم طيلة الأعوام السالفة، بل ضد كل من وصلت إليهم بنادقهم وصواريخهم من مدنيين أبرياء تناقلتها أجهزة الإعلام العالمية واعتبرتها الأمم المتحدة وشعوب الدنيا كلها جرائم حرب أبكت ملايين البشر على أيدي أطفال وأرجل نساء متناثرة بين أنقاض المنازل المهدمة.

زرعوا الكراهية والحقد والعنف والتطرف والتخلف في حلب، ومن الطبيعي أن يحصدوا كراهية أشدّ وحقدا أكبر، وتطرفا أكبر، وعنفا أكثر ضراوة، وعاديّ جدا أن يصادفوا العشرات، وربما ألفا أو مليون ناقم من خامة الشرطي التركي الذي أفرغ رصاصاته الغاضبة في جوف السفير الروسي القتيل.

ما جرى في سوريا، عموما، وفي حلب على وجه الخصوص، جريمة بكل المواصفات الإنسانية والأخلاقية والدينية، وانتهاك لجميع القوانين والشرائع التي ظن العالم أنه تركها على أعتاب القرن العشرين، وهو يدخل عصر التلاقح السلمي بين الثقافات والمصالح والعقائد المتخالفة المتعاكسة، وتكامل المصالح والمنافع بعقلانية وسلام.

والذي توهم أن حرق مدينة كاملة، بأطفالها ونسائها وشيوخها ورجالها غير المسلحين وغير المقاتلين، بحجة القضاء على حفنة مسلحين ببنادق صيد العصافير وبالخناجر والسيوف، يتخفون بين ركامها المتهدم، سيمرّ دون عقاب، مشروع أو غير مشروع، فهو واهم وأعمى بصر وبصيرة. والخوف من رصاص آخر أكثر، يفاجئ الروس والإيرانيين والأسديين لا في تركيا وحدها، بل ربما في العالم كله، والبادئ أظلم.

إن عواصف عنف جديدة متواصلة في انتظار المنطقة والعالم ستكون دماء ضحاياها في رقاب الرئيس الروسي، وحليفه الولي الفقيه، وأسيره بشار الأسد.

فكم من سفير وكم من وزير وكم من رئيس سيفاجأ برصاص جديد يصبه عليه ناقمون وغاضبون؟ وكم من بريء سوف يدفع ثمن ما فعلته حفنة من مجانين مات في نفوسهم الشرف والآدمية والعقل والضمير؟

كانت الأحذية لغة الغاضبين المفضلة لنقل رسائل الغاضبين. ولكن حلب جعلت الرصاص وسيلة حوار جديدة يفضلها المتطرفون، ولن يتمكن أحد من وقفها، أو أن يتوقع وقت ظهورها، ومكانها. ولله في خلقه شؤون.

كاتب عراقي

8