حوار ثقافي بالسكاكين

الجمعة 2014/01/10

حين تصير اللغة رمادا، وتتحول المفردات إلى حجارة، وحين تصبح الثقافةُ تهمة وإهانة ويكون المثقف هو أول من يغتال نفسه ويغتال الكلام.

حين يتحول الحوار إلى معركة تستخدم فيها سكاكين الكلمات وأحيانا سواطيرها، وحين يُرمى الكتاب في متحف أيامنا الذي لا يزوره أحد، وحين تصبح القراءة تركض مسرعة فلا من يتأمل ولا من يتألم إذا ما أوجعه نبض المعنى. حين تصبح القراءة وجبة سريعة تلتهم على عجل، ويصبح الكاتب عابر سبيل غريبا عن الصفحات المفخخة بالأحكام الجاهزة تماما مثل التهم الجاهزة.

حين تكسر المرايا، لا لنرى أنفسنا في مرايا أخرى أشدّ وضوحا وسطوعا، بل فقط من أجل متعة التكسير. حين يكون الوعي في متاهة، والعقل عاطل عن العمل، ولا تندلق على أوراقنا إلا محابر الانفعالات. حين يحترف الكاتب مهنة رجل المبيعات، وتختنق الكتابة في عُلب العلاقات العامة. حين يصبح العنف والحقد، المعجم الأكثر اتساعا وانتشارا من معجم لسان العرب ومحيط المحيط وكل القواميس التي نسينا أسماءها.

في هذا الانتحار الثقافي الجماعي الطوعي حينا، واللاإرادي أحيانا أخرى، من يطلق صفارة الإنذار، ومن يضيء خشبة المسرح المعتمة ويوقظ الجمهور؟ من يستطيع أن يصرخ أمام أضرحة الأحياء والموتى؟ ومن يستطيع أن يطفئ النيران، النيران التي تلتهم حاضرنا وتهدّد أيامنا؟

من يوقظنا من غيبوبتنا وينتشلنا من الغرق؟ من يترجم هذا الزمن اليابس الموغل في ملوحته، غير الدماء التي تغطي وجوهنا كل يوم؟

وأين هي الثقافة في هذا الربيع المدمى وأين هو المثقف؟

المثقف ببساطة في حالة اكتئاب، وحيدا غالبا، ينفعل ولا يتفاعل، يتسلى بقصاصاته الألكترونية، عن الحب حينا وعن الشوق حينا وعن الثورة حينا آخر ويرتدي وجه الضحية. والمثقف طوعا أو كراهية أصبح خارج المعركة، استأجر شقة متواضعة على هامشها، يتفرج على المسلسل الدموي اليومي، يقرأ هذا التاريخ الذي تكتبه الأشلاء كل يوم. وفي آخرالنهار ينام حزينا مضرّجا بالعجز والفجيعة والدموع. لا رصاص في يدي أطلقه على أحد، إنما أطلق النار على أشباحنا، نار السخط والغيظ والغضب، أشباحنا تلك التي تظن فيما تظن أنها ترقد على بيوض الحرية.

ما الذي فعلناه من أجل الحرية؟ غنينا أغنية، رسمنا لوحة، أصدرنا ديوان شعر، هل هذا هو منتهى الطموح الثقافي؟ هل هذا أقصى ما يمكننا فعله؟ قبل أن يأتي الليل ونواصل الذبح المتبادل على صفحات التقاتل الاجتماعي؟

الثقافة ذلك الغضب، تلك النار التي تحرق، ذلك البهاء الذي تبزغ منه شمس الأيام الآتية. الحرية التي تعني أن نتحرر من كل أشكال العبودية، لا أن نستبدل صنما بصنم، وموتا بموت.

شاعر وكاتب من سوريا

14