حوار روسي أميركي في الشرق الأوسط: تفاوض حول عدم التصادم

ترى تحاليل المتابعين لشؤون منطقة الشرق الأوسط ضرورة الحد من التجاذب الثنائي الذي يحكم العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية لإطفاء الحرائق المندلعة في الشرق الأوسط، حيث تزيد سياسة المحاور التي ينتهجها كلا الطرفين في تصعيد مستويات التوتر في منطقة الشرق الأوسط. وترى مجموعة الشرق الاستشارية “ميدل ايست بريفينغ” أن الوضع الراهن يتطلب الحوار بين روسيا والولايات المتحدة سواء رغب الطرفان في ذلك أم لم يرغبا.
السبت 2017/05/06
التقاء الضرورة

واشنطن - تحاول روسيا الاستفادة من ساحة المعركة السورية في مفاوضاتها الأوسع مع الولايات المتحدة. وبالتالي تعمل موسكو على لعب دور “المفسد” في ساحة المعركة السورية لزيادة المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة في عملياتها هناك، في محاولة لجذب الأميركيين للحوار.

وينزّل بعض الخبراء في هذا السياق الخطة الروسية الأخيرة بشأن المناطق لتخفيف التصعيد في سوريا، والتي اتفقت عليها موسكو مع طهران وأنقرة. واستقبلت واشنطن هذا الاتفاق بتشكّك. وعبرت الخارجية الأميركية عن قلقها من الاتفاق، وقالت إنها تشك في مشاركة إيران كدولة ضامنة له وفي سجل دمشق في ما يتعلق بتنفيذ اتفاقات سابقة.

ويؤكد الموقف الأميركي أن آفاق أي تسوية أو اتفاق قد ترتبط بتساؤلات عن قدرة روسيا على توفير ضمانات ملموسة بتقييد التحركات الإقليمية لحلفائها الإيرانيين وإلزامهم بمحاذير سياسية وأمنية محددة، وهو الأمر الذي لم تنجح في فرضه في الفترة السابقة.

ومع ذلك، لا يرى خبراء في مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث الأمنية والإستراتيجية أن هناك تصعيدا سلبيا في أفق العلاقات بين موسكو وواشنطن، بل بالعكس يرى المركز أن هناك إمكانية للجانبين للتفاوض حول عدم التصادم. ويتوقع أن ينمو حجم التعاون بين روسيا والولايات المتحدة خلال الربع الثاني من العام 2017.

التقاء في الخليج العربي

تتفق مجموعة الشرق الاستشارية (ميدل ايست بريفنغ) مع ما جاء في توقعات ستراتفور للربع الثاني من العام الحالي، مشيرة بدورها في تقرير حديث لها إلى أن مصالح الطرفين تقتضي الحوار أكثر من أي وقت مضى. وبينما تركز واشنطن على الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، تمدّ روسيا يدا لإيران فيما يدها الأخرى ممدودة لحلفاء الولايات المتحدة وخصوم إيران، أي لدول الخليج العربي، وتلتقي الأطراف الثلاثة في الحرب ضدّ الإرهاب.

لينجح الطرفان في السيطرة على الأوضاع في الشرق الأوسط ينبغي أن يركزا على إعادة تقييم نتائج الحرب الباردة

وتدق المجموعة البحثية الأميركية التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، على أكثر الأوتار حساسية في هذه العلاقة الثلاثية، وهي دول الخليج العربي وما تمثله من حليف استراتيجي للطرفين الروسي والأميركي. وهذه الأهمية هي التي تفرض على الخصمين التقليديين التوصل إلى اتفاق حول الأوضاع الأمنية في دول الخليج.

ويكمن السبب في أن روسيا لها نفوذها الخاص في إيران كما هو حال الولايات المتحدة وما تتمتع به من نفوذ في دول مجلس التعاون الخليجي. وإذا استخدمت القوتان العظمتان علاقاتهما للتوصل إلى مصالحة إقليمية، ولعبتا دورا في التوصل إلى وحدة أمنية بين ضفتي الخليج، لن يكون هناك مصدر للاضطرابات والعنف والإرهاب في الشرق الأوسط كنتيجة لذلك.

وشهدت العلاقات الخليجية الروسية تحسنا ملحوظا في السنوات الأخيرة على الرغم من وجود العديد من الخلافات. وعلى الرغم من أن إيران تمثل تهديدا مباشرا لدول الخليج، إلا أن روسيا، والتي تعتبر أقرب حليف لطهران، لم تسع لإفساد العلاقات الخليجية الروسية. كذلك لم تستطع الأزمة السورية، والتوسع المطرد للحرس الثوري الإيراني في العراق، وتدخله في اليمن، والاتفاق النووي التأثير أيضا على العلاقات الروسية الخليجية.

ومن الممكن تفسير ما حدث على أن السياسة العربية تأخذ حذرها لتجنب اكتساب الأعداء في ظل مواجهتها للنفوذ الإيراني. وهذا يدل على رغبة دول الخليج العربي في إبقاء قنواتها مفتوحة مع بلد يتمتع بالنفوذ القوي على إيران، للاستعانة به في حال نشوب صراع مباشر أو أثناء عقد المفاوضات. وتتفهم روسيا بدورها تحوُّل دول الخليج إلى قوة إقليمية قادرة على تشكيل الأحداث في الشرق الأوسط، وتعتبرها لاعبا رائدا في تلك المنطقة.

وأيا كانت الأسباب، نرى تبادل زيارات متكررا من حين لآخر بين المسؤولين الروس والمسؤولين الخليجيين. ومع ذلك، يبدو حساب اللعبة بالنسبة إلى موسكو بسيطا: ففي محاولة من روسيا لاسترجاع مكانتها في النظام العالمي الحالي، تأمل موسكو أن تقلص دول الخليج من توجهها عن الغرب وأن تميل نحو الشرق بدلا أكثر. لكن يبدو أن سقف توقعات الكرملين منخفض من ناحية دول الخليج عنه في إيران أو سوريا. وعلى ما يبدو فإن العلاقات بين الغرب ودول الخليج العربي غير قابلة للكسر.

يذكّر دور روسيا في إيران الآن بدور الاتحاد السوفييتي في مصر خلال الستينات، لكن المقارنة لا تظهر عادلة في الكثير من الجوانب من الناحية التاريخية؛ فإيران ليست عربية ولا سنية، والعصر الحالي ليس كعصر صعود القومية العربية، وعوامل أخرى كثيرة. لكن في كلتا الحالتين، لم تلعب موسكو دورا لتقييد التحركات الإقليمية لحلفائها في طهران. هناك الكثير من الدروس التي يمكن أن نتعلمها من التاريخ، وهناك الكثير من الاختلافات بين الماضي والحاضر التي يجب أن تُأخذ في الاعتبار من حيث تأثيرها على العلاقات المتنامية بين روسيا ودول الخليج.

تغييرات بحكم أمر واقع

لقد تغير موقف الولايات المتحدة في ما يتعلق بروسيا، منذ وقت الغزو الروسي لأفغانستان وحتى وقت المعارضات الروسية الأوكرانية. وحتى في فترة ما بعد الحرب الباردة، تغير موقف الولايات المتحدة بسبب عوامل داخلية. لا يوجد عاقل في الولايات المتحدة، سواء كان سياسيا أم لم يكن، يستطيع أن يتخيل مرة أخرى حدوث سيناريو مشابه لغزو العراق.

مشروع إيراني يهدد الجميع

روسيا أيضا تتغير، فلم تعد لديها نفس الأيديولوجيا والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية والعلاقات الدولية، مثلما كان الاتحاد السوفييتي سابقا. وينطبق نفس المبدأ على دول الخليج، فقبل عقد من الزمن، تحدّث البعض عن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والنمو العسكري والتأثير الإقليمي. أما الآن، فلم يعد الحال كما هو في الماضي.

ونتيجة لذلك شهدت العلاقات الروسية-الخليجية منذ عام 2011 تناميا ملحوظا، حيث عقد وزراء خارجية الجانبين سلسلة من المحادثات المنتظمة التي ارتكزت على مناقشة بعض المخاوف المشتركة مثل الإرهاب والاستقرار الإقليمي والتجارة والنفط.

وتبدو الصورة الراهنة معقدة بعض الشيء، جاعلة من إقرار توازن استراتيجي في المنطقة تحديا صعبا بالنسبة إلى موسكو، حيث يتوسع النفوذ الإيراني في العراق وفي سوريا، وفي لبنان، وأيضا من خلال مساعدة الحلفاء الطائفيين داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

وتتشارك الولايات المتحدة وروسيا في مهمة واحدة هي محاربة الإرهاب، ولكن حتى الآن، تتمثل محاربة الإرهاب في توجيه الضربات العسكرية بأم القنابل الأميركية وأبي القنابل الروسي. وعلى الرغم من أن الوقت قد حان لكي يتحد الأبوان معا، فإن إنجاز المهمة باستخدام “القنابل” لا يصل بنا إلى المعركة الحقيقية، التي تتطلب أيضا البعض من الدبلوماسية، وتجديد الخطابات الدينية، والحوار والتنمية الاقتصادية والسماح للنقاش الحر دون خوف وفرض قيود، لتتماشى جنبا إلى جنب مع كل من “أم وأب القنابل”.

وبينما تسير المنافسة الإستراتيجية الإقليمية بين إيران والعرب عكس تحقيق الاستقرار والسلام، تلعب المنافسة الدولية بين روسيا والولايات المتحدة أيضا دورا في تدمير الأمن الدولي والاستقرار الإقليمي، لذلك يتعين عليهما فتح حوار يسعى لإيجاد سبل لتهدئة الشرق الأوسط.

ولم يكن من المستحيل التوصل إلى عقد بعض الصفقات الإقليمية بين روسيا والولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة لتعزيز الأمن في أوروبا.

واليوم هناك ظروف تساعد على تحقيق اتفاقات مماثلة من أجل الاستقرار في الشرق الأوسط؛ فمع تطور العلاقات الروسية بضفتي الخليج العربي وفي ظل الدور القيادي الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة يمكن التوصل في النهاية إلى اتفاق.

وبدأت إدارة ترامب بالفعل في الضغط على إيران لفرض القيود على الحرس الثوري الإيراني. وهذه خطوة إيجابية من شأنها أن تساعد روسيا على كبح جماح تدخلات الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي نزع فتيل أحد مصادر الإرهاب الرئيسية في الشرق الأوسط.

وسيشجع التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط كلا القوتين على الانتقال إلى مستوى أعلى في النظام الدولي، ولكن لكي ينجح الطرفان في السيطرة على الأوضاع في الشرق الأوسط، ينبغي أن يركزا على إعادة تقييم الخبرات التي استُنتجت من الحرب الباردة على المسرح الأوروبي، وكذلك يجب التركيز على جهودهما المشتركة للتوصل إلى الاتفاق النووي.

6