حوار في الجحيم بين مكيافيلي ومونتسكيو

حوار متخيل عن السلطة والسياسة بين مكيافيلي ومونتسكيو على خشبة مسرح الجيب بباريس.
الاثنين 2020/02/24
حوار عن السلطة وآفاتها على الشعوب

“حوار في الجحيم”، هو في الأصل حوار عن السلطة بين علمين من أعلام الفكر الأوروبي هما مكيافيلي ومونتسكيو، تخيله كاتب ومحام فرنسي اسمه موريس جولي، وسجن بسببه في عهد نابليون الثالث. وقد تلقفه رجال المسرح مرات لإخراجه على الخشبة، آخرهم مارسيل بلووال في مسرح الجيب بمونبرناس الباريسية.

 مسرحية “حوار في الجحيم”، التي عرضت مؤخرا على خشبة مسرح الجيب بباريس، مستوحاة من نص نقدي لاذع لسياسة الإمبراطور نابليون الثالث، صدر في بروكسل عام 1864 باسم مستعار. وما لبثت السلطات أن عرفت أن مؤلفه محام مغمور اسمه موريس جولي (1829-1878) فتمّ سجنه لبضعة أشهر، وصودر كتابه، وكاد يطويه النسيان لو لم يُطبع طبعة جديدة في الأعوام الأولى من الجمهورية الخامسة.

وقد حظيت الطبعة الجديدة باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والمسرحية، حيث تمّ تحويل “الحوار” إلى عرض مسرحي مرة أولى عام 1968 في مسرح ميشوديير في إخراج لبيير فريني، ثم عام 1983 في الأوديون الصغير، من إخراج سيمون إين، عقبها عرض في مسرح لوسرنير من إخراج بيير تابار.

ورد النص في شكل حوار متخيل بين الإيطالي مكيافيلي، مؤلف “الأمير”، والفرنسي مونتسكيو، واضع “روح القوانين”، وكلاهما عبّر فيه عن قناعاته، أي السلطة والسياسة والمثل الأعلى الديمقراطي من جهة مونتسكيو، والحيل التي يتوسل بها الحاكم الطاغية لبسط هيمنته من جهة مكيافيلي.

وقد عُدّ الكتاب عنيفا في عصره، من رجل ناصر فيكتور هوغو في نقده اللاذع للإمبراطور وسياسته المستبدة، واتخذ من هذين العلمين ذريعة لنقد ممارسته للسلطة، وسبل التمسك بها.

مثلما عُدّ الكتاب لاحقا من بين المجادلات التاريخية الهامة حول ثيمة الديمقراطية والاستبداد، بل إن ثمة من أسقطه على الراهن، ففي مقدّمة الطبعة التي صدرت عام 1968 ضمن سلسلة “حرية الفكر” التي كان يشرف عليها ريمون آرون، كتب المفكر جان فرانسوا روفيل، إن موريس جولي يتحدث عن ممارسة الجنرال ديغول للسلطة.

وقال أيضا إن المشكلة تتمثل في معرفة ما إذا كان الاستبداد بإمكانه أن يجد مكانه في مجتمع اعتاد منذ زمن قديم على المؤسسات الليبرالية. بينما رأى الناقد المسرحي المعروف وصاحب مسرح الجيب فيليب تيسّون أن النص لم يفقد راهنيته إلى اليوم، فهو يشير إلى ما تستعمله الحكومة من وسائل لتضليل الرأي العام، وتحويل أنظاره إلى مسائل غير التي تخصّ معيشه اليومي.

الديكور بسيط إذ يتبدى الركح أبيض، والأثاث شفافا، حيث تغطي الخلفيةَ صورةُ مكتبة. هذا الحوار هو في الواقع أشبه بخطاب أحادي، يستحوذ فيه مكيافيلي على المساحة كلها، في نوع من السيلان اللفظي، يقطعه مونتسكيو في بعض الأحيان، فيبدو أقرب إلى مستمع أكثر من كونه محاورا.

حرية الفكر في الحوار عن السلطة
حرية الفكر في الحوار عن السلطة

ويبدو الحوار مانويا، بين رجل خبيث لا يحب الشعب. ولكنه يحسن الحجاج والاستدلال، ورجل إنساني النزعة لا يكاد يردّ إلّا لماما. قد يجد بعضهم في هذا العرض ما يدفعهم إلى التفكير في خبايا الحكام والطرق التي يستعملونها للوصول إلى السلطة. ولكن الطرح لم يغادر السطح، ولم يحقّق دراميته المنشودة برغم حرفية الممثليْن بيير سانتيني وهرفي بريو، فليس من السهل دائما تحويل نص سياسي أو فكري إلى المسرح.

وهو ما تنبه له مارسيل بلوويل منذ البداية، مثلما تنبه إلى أن العنوان نفسه مخادع، فهذا “الحوار” هو نص أدبي على طريقة برنارد دو فونتونيل (1657-1757) حيث الردود تقوم مقام وضع الأفكار السياسية أو الأدبية في مواجهة بعضها بعضا دون وجود حقيقي للشخصيات ودون أدنى تنظيم درامي. ثم إن النص مشحون بإحالات على حكومة تلك المرحلة، ما يجعل النص بعيدا عن فهم إنسان هذا العصر، وإن اقتيد بسببه موريس جولي إلى السجن، واكتفى بالتلميح إلى خصومه ولم يذكرهم بالاسم.

ورغم ذلك أقدم على إخراجه، لأن الكاتب في نظره عكَس، دون وعي منه ربما، تعقيده الخاص، وهو تعقيد خفي يبثّه إلى بطليه مونتسكيو ومكيافيلي، ويضعهما وجها لوجه كخصمين.

وإن كان تعارض الأفكار بين الرجلين من الوضوح ما لا يحتاج معه المرء إلى إمعان الفكر، في الظاهر، لأن مونتسكيو كما يقدّمه جولي ليس دائما على حق، ومكيافيلي يبهر الكاتب بشكل يكاد يرغّبه في المكيافيلية، إذ إن كتابته كانت حَفرا للوصول إلى ما خلف الخطاب الرسمي.

وبما أن عملَه تخييلٌ بناه على احتمال ظهور دكتاتورية يحركها مكيافيلي، ويخفي بفضلها نابليون الثالث، فقد انساق إلى تخيُّل خططٍ تُمكّن كلَّ الطغاة من المحافظة على سلطتهم وتعزيزها. هذا علاوة على فصول الكتاب التي تركز على تلاعب الدولة بالصحافة، وطرق تسيير الشعوب في مجتمع يمكن وصفه بمجتمع فرجة. أي أن الكاتب تنبأ بما سوف يعيشه مواطنوه من بعده، أي في الزمن الحاضر.

ومن ثَمّ سعى المخرج إلى تنظيم كل تلك العناصر في شكل درامي يراعي في الوقت نفسه تنامي الحكاية، وحقيقة الشخصيات، مع احترام النص الأصلي، ومحاولة إذكاء اهتمام المتفرجين بهذا العمل الذي حرّره مؤلف نكرة منذ أكثر من مئة وثمانين عاما.

16