حوار في صبيحة باردة

السبت 2017/01/28

بين وقت وآخر، ألتقي حيث أكون في المقهى صباحا، بالشاعر نضال القاسم، وهو كما عرفته خلال سني عمّان، كثير الأسئلة ولا يمل من الحوار، إلى حد أن تحوَّل هذا التوجه عنده، إلى ممارسة ثقافية أنتجت حوارات كثيرة، نشرت في صحف ودوريات وجُمعت في كتب أحيانا، وأصبحت مراجع لا يستغنى عنها، حين يُكتَبُ عمن حاورهم.

وليس أكثر من جلسات الحوار غير المخطط لها، ما يأتي بقضايا، لم تعد حاضرة في حياتنا الثقافية وطواها النسيان على أهميتها.

منذ أسابيع، وفي صبيحة من صباحات عمّان الباردة، التقينا، وكما عرفته من قبل، توالت أسئلته، وسأتوقف هنا عند سؤالين، الأول: فجَّر ثورة الحداثة شعراء عروبيون، لطالما ابتعدوا عن تيارات حداثية أخرى، على سبيل المثال، مجلة شعر، كيف تنظر اليوم إلى ما كان من علاقة سلبية بين الاتجاهين؟

فأجبته: نعم، إذ كان يتم تغليب السياسي إلى حد محو الجمالي، في تقويم العلاقة بين تيارات الحداثة الشعرية وإن المرحلة الشعرية التي تكرست تجربتي فيها، ورثت العلاقة السلبية مع الاتجاه الذي كانت تمثله مجلة شعر.

لكن الابتعاد عن النشر المتبادل أو التبادل النقدي لم يشمل القراءة والمتابعة، وكنت أحرص بالقدر الذي أستطيع على اقتناء مجلة شعر وقراءتها وبقيت احتفظ بأعداد كثيرة منها، تبرعت بها يوما إلى مكتبة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.

إن طبيعة المرحلة، كانت تشيع فيها الأحادية على أكثر من صعيد، لذا لم يتم التعامل مع تيار مجلة شعر، على أنه أحد مرجعيات التجديد في الشعر العربي الحديث، لكن حين نراجع تلك المرحلة بوعي مختلف ورؤيا متفتحة، ندرك أهمية ذلك التيار على الصعيد الجمالي، حتى لو اختلفنا معه فكريا، وحين نرى الأمر بعيدا عن التعصب وبعيدا عن الاستلاب في آن، نجد أن هذا التيار لم يتوفر على مواهب شعرية كبيرة كما في التيار الآخر، مثل السياب والملائكة وخليل حاوي والبياتي وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، حتى لو استثنينا أدونيس، فهو لم يكن في صلب تيار مجلة شعر، بل كان يؤسس لتوجه خاص يكرسه موهبة شعرية كبيرة.

وتواصل الحوار بيننا، يسألني فأجيب، وأسأله فيجيب، فأعلق حينا وأصمت حينا آخر، ثم سألني سؤال، استفزني حقا، حيث قال: يرى بعضهم أن تيارات حداثية شعرية تكرِّس اختلافها أكثر مما تستجيب لمعطيات تيار حداثي عربي، كما في الخليج العربي واليمن وآخر في مصر وثالث في أقطار المغرب العربي، ماذا ترى في هذا الادعاء؟

فقلت: أعوذ بالله.. حتى الحداثة الشعرية تُجزَّأْ، كما تسود التجزئة وتفرض في الوطن العربي، إن وجود نشاطات حداثية شعرية، هنا وهنالك، هي في حالة تكامل، وليس في حالة صراع، ليخرج علينا منظرو التجزئة، ليقولوا لنا: مَنْ الفائز؟ كما في حلبات المصارعة!

إن إلحاق الإبداع بالتقسيم السياسي أو الإداري، يصدر عن وعي مخرب، فالتقسيم السياسي أو الإداري، قد يتغير بين مرحلة وأخرى ولكن الإبداع يظل على امتداد القرون، ينتسب إلى تاريخ الأمة ولغتها وحضارتها.

إن هذه التجزئة الشعرية ليست جديدة، فهناك من بحث لشعراء المعلقات عن أقطار ينتسبون إليها، لم يكونوا قد سمعوا بها، وهناك من يجعل المتنبي عراقيا تحديدا وهو الذي عاش في مدن عربية أكثر مما عاش في الكوفة وبغداد، وهنالك من يجعل أبا تمام سوريا، ليجردهما من انتمائهما العربي، حيث يكون حضورهما في نواقشوط أو الحديدة لا يختلف عن حضورهما في الكوفة أو حلب.

إن إجابتي هذه، تثير أسئلة أخرى، فهي وجهة نظر، قد تصح وقد لا تصح، لكنها تفتح بابا على الحوار.

كاتب من العراق

16