حوار قصر قرطاج والبيت الأبيض الذي لا ينقطع

التواصل الأخير بين البيت الأبيض والرئاسة التونسية لهو خطوة متقدمة في طريق العلاقات التاريخية بين الطرفين ومبادرة أميركية مضافة لتعزيز الممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد في تونس.
الأربعاء 2021/05/19
بوادر انفراج تلوح في الأفق

مرجل الديمقراطية الخضراء يغلي في تونس.. فعلى المستوى السياسي بدت بوادر انفراج تلوح في الأفق بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية – الحكومة – البرلمان)، عزّزها قبول رئيس الجمهورية قيس سعيّد المشاركة في الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل وهو الذراع النقابية ذات التأثير البليغ في الحراك الشعبي والسياسي في البلاد. وكان الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، سامي الطاهري، قد أعلن أن الحوار الوطني دون مشاركة رئاسة الجمهورية هو ضرب من “الفتنة” رافضاً بشكل قاطع دعوة حركة النهضة إلى المضي في الحوار “بمن يحضر”.

أما على المستوى الاقتصادي فالمرجل أشد غلياناً ولاسيما إثر معاناة تونس الشديدة من تداعيات الأزمة الصحية لجائحة كوفيد – 19، أعقبتها المضاربات التي حدثت بين ممانع ومؤيد للإغلاق الكامل في ظل تفشي فايروس كورونا بشكل استدعى إقرار هذا الإغلاق. ولرأب هذا الصدع بدأت تونس في مطلع شهر مايو الجاري مفاوضات تقنية مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرضٍ هو الأعلى رقماً في الاقتراض التونسي منذ عهد الاستقلال وقد بلغ 4 مليارات دولار، وهو قرض يشترط فيه المانحون على تونس تنفيذ إصلاحات قد تطال بشكل مباشر الدخل الفردي للمواطنين ومستوى معيشتهم، وقد تستوجب رفع الدعم عن المواد الأساسية وتخفيضا نسبيا في الأجور بهدف تحقيق الإصلاحات المطلوبة.

من الطبيعي أن تواجه هذه التجربة الديمقراطية الفتية الكثير من التحديات في مقدمتها ضمان المشاركة الشعبية البناءة والمتوازنة في العملية السياسية الوطنية

الولايات المتحدة التي تراقب مجريات الأمور في تونس لم تقف صامتة، بل سارعت نائبة الرئيس الأميركي كاميلا هاريس في الاتصال بالرئيس سعيّد هاتفياً حيث شدّدت على أهمية العلاقة التي تربط بين البلدين وعلى دعم الولايات المتحدة لتونس في مفاوضاتها مع البنك الدولي.

وأصدر البيت الأبيض بياناً حدّد فيه محاور المحادثة الهاتفية بين هاريس وسعيّد، والتي أكّدت على أهمية الحراك الديمقراطي الجاري في تونس ودعم واشنطن المتواصل لمساعدة تونس في الحفاظ على ديمقراطيتها وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة في خضم الجائحة المستمرة. كما انتقلت هاريس إلى مواقع التواصل الاجتماعي للمزيد من التأكيد على موقف بلادها القوي في دعم تونس دولة وشعباً، وأبرزت في تغريدة على حسابها في تويتر أهم  النقاط التي تم بحثها مع الرئيس سعيّد “لقد تحدّثت مع الرئيس سعيّد اليوم وتناول حديثنا الصداقة طويلة الأمد بين بلدينا، وأكّدت على التزام الولايات المتحدة تجاه تونس. إننا نقف إلى جانب تونس أثناء تطبّيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية من أجل التعافي من تحديات الجائحة”.

الموقف الرسمي الأميركي الذي يرى في تونس “شريكاً قوياً” للولايات المتحدة مازال مستمراً ومثمراً على اختلاف الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض، وله تاريخ طويل يعود إلى الخمسينات من القرن الماضي. فالولايات المتحدة كانت أول قوة عظمى تعترف بالسيادة التونسية وتقيم علاقات دبلوماسية مع تونس في عام 1956 إثر استقلال البلاد عن فرنسا.

تونس

وحين اندلعت الثورة الشعبية في الـ14 من يناير من العام 2014 بدأت تونس عملية انتقال ديمقراطي عميق وحقيقي مازال قائماً حتى اليوم، بينما دعّمت الولايات المتحدة هذا الانتقال باعتزاز كبير به وبريادته من أبناء الشعب التونسي الذي خرج مطالباً بالحرية والعدالة الاجتماعية. وتمثلت أولويات الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية الفتية في تونس بمساعدة البلاد على توفير بيئة آمنة ومواتية لتطوير المؤسسات والممارسات الديمقراطية وتحقيق النمو الاقتصادي الشامل، بما في ذلك دعم جهود الدولة التي ركزت على تعزيز دور المجتمع المدني وتمكين الشباب وخلق فرص العمل.

ومن الطبيعي أن تواجه هذه التجربة الديمقراطية الفتية الكثير من التحديات في مقدمتها ضمان المشاركة الشعبية البناءة والمتوازنة في العملية السياسية الوطنية، وخلق فرص عمل تستهدف الشباب والنساء وخريجي الجامعات، ومواجهة الإرهاب العابر للحدود، وتهديد انتشار النزاعات في دول الجوار.

الولايات المتحدة واكبت هذه التحديات وحاولت التقليص من آثارها، ومنذ ثورة يناير 2011 خصصت واشنطن ما يزيد على 1.4 مليار دولار لدعم التحوّل الديمقراطي في تونس، إيماناً من الإدارات الأميركية المتعاقبة بأن نمو القطاع الخاص والفرص الاقتصادية هما عاملان أساسيان لازدهار تونس واستقرارها على المدى البعيد.

البيت الأبيض أصدر بيانا حدّد فيه محاور المحادثة الهاتفية بين هاريس وسعيّد، والتي أكّدت على أهمية الحراك الديمقراطي الجاري في تونس ودعم واشنطن المتواصل لمساعدة تونس

المساعدة الأميركية لتونس توجهت نحو تمكين البنية التحتية الحيوية التي تشمل ضمان وتعزيز الأمن الداخلي والخارجي، وتعزيز الممارسات الديمقراطية والحكم الرشيد، ودعم النمو الاقتصادي المستدام. ففي العام 2019 وقّعت الولايات المتحدة وتونس اتفاقية ثنائية تهدف إلى تحقيق التنمية وفّرت من خلالها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ما يصل إلى 335 مليون دولار خلال خمس سنوات تمتد إلى العام 2024 ستصرف على دعم خلق فرص العمل في القطاع الخاص وتعزيز الديمقراطية.

التواصل الأخير بين البيت الأبيض ممثلَاً بنائبة الرئيس هاريس من الطرف الأميركي، وبين رئاسة الدولة التونسية ممثلا بالرئيس سعيّد، لهو خطوة جديدة ومتقدمة في طريق العلاقات التاريخية والمتينة بين الطرفين ومبادرة أميركية مضافة لتعزيز الممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد في تونس بكل ما يمثله من نموذج يُقتدى به وتستخلص منه الدروس في الداخل التونسي وفي دول الشرق الأوسط التي مرّت عليها رياح التغيير الديمقراطي العسير.

7