حوار لن يجرى أبدا

لو لم يرحل كرويف كان سيتحدث عن الصراع المُستمر والمُستعر بين ميسي ورونالدو، ويقول إن الموهبة تصنع الكبار والعظماء يطوّعون الموهبة.
الأحد 2018/04/08
المنجم نضب والمواهب لم تعد موجودة

كم حلمت مذ كنت صبيا أن أغدو صحافيا، كم وددت أن أجري الحوارات مع ألمع نجوم الكرة في العالم، تحقّق بعد سنوات الصبا المتدفقة الجزء الأول من الحلم، لقد وفقت في أن أدخل معترك هذه المهنة المُمتعة من البوابة التي تمنيتها وأشتهيها.

بيد أن حلم لقاء نجوم العالم ما زال مؤجلا، فكم تمنيت أن أكون طرفا في حوارات مع أساطير خلّدوا أسماءهم بأحرف متلألئة، كم رغبت في ملاقاة لاعبين ومدربين سطع نجمهم.

اليوم مرّ أمام عيني شريط ذكريات غير منسية، ذكريات اقترنت بمتعة في القلب وغبطة تُدغدغ الفؤاد بمجرد متابعة مباراة عالمية شيقة، في الشريط مر لاعبون ومدربون ما زال صدى إنجازاتهم عالقا في كل الأذهان.

وجاءت في المخيلة صورة الهدف الأسطوري للأسطورة الهولندية فان باستن ذات مباراة حاسمة ضمن يورو 1988، لقد أدهشني ذلك الهدف الخالد وارتسم في دفتر الذكريات التي لا تنسى، مرّ أيضا مشهد المُدهش دوما مارادونا عندما انسكب دمعه مدرارا في نهائي مونديال 1990 بعد خسارة موجعة أمام الغريم الألماني.

واستحضرت الكثير من الصور والمشاهد، لكن لست أدري كيف اتخذ الهولندي الخالد يوهان كرويف مقاما رفيعا في هذه المخيلة التي ما زالت إلى اليوم تحتفظ ببعض أدق التفاصيل المتعلقة بتصرفات هذا العبقري الراحل عندما كان مدربا لبرشلونة في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

كان مدربا لا يهدأ له بال، كان يتحرك مثل الفراشة على حافة الميدان، كان يضع قطعة حلوى بعصا صغيرة في فمه، كانت تصريحاته عقب المباريات دوما متزنة وهادئة سواء في حالة الانتصار أو الانكسار، حلمت حينها أن أكبر سريعا وأسير على الدرب الطويل وأصير صحافيا علّي أظفر بحوار وسبق صحفي مع هذه “الأيقونة”.

لكن لم يتحقّق الحلم ولن يتحقّق أبدا، فالرجل ودّعنا تاركا إرثا كبيرا، لقد ترك مدرسة قائمة الذات في عالم التدريب بعد أن ساهم في تغيير كل المفاهيم وأرسى أسسا جديدة لأبجديات علم التدريب المعاصر.

وبقي الحلم يلح عليّ، فالعقل والمنطق يلحان بأن المستحيل لا يمكن أن يتحول أبدا إلى واقع، والحلم الطفولي والقلب يصران على إجراء هذا الحوار، حتى وإن كان في الخيال المحض.

تركت كل شيء جانبا، واستحضرت في هذه المخيلة صورة كرويف ليكون ضيفي الأول في سلسلة الحوارات العالمية التي حلمت بها.

وفي هذا الحوار المفعم بالذكريات والخيال الواسع، ربما كان على كرويف أن يتحدث أساسا عن تدهور الكرة الهولندية ونجاح المدرسة الكاتالونية في مواصلة استثمار ثمار المدرسة التي أرساها هناك.

ربما كان على كرويف أن يقول في هذا الحوار إن السبب الرئيسي في تقهقر نتائج الكرة الهولندي يعود أساسا إلى الفشل الواضح في تطوير أساليب التكوين في بلده، كان سيقول إن المنجم نضب والمواهب لم تعد موجودة، كان سيؤكد أن عهد “الفلتات” ولى ولم يعد، فزمن فان باستن وخوليت وريكارد صار من الزمن السحيق، وعهد فان بيرسي وروبن انتهى، والسبب في ذلك هو إهمال أسس التكوين وفقدان المراجع التدريبية في البلد.

كان كرويف سيحتفي كثيرا بما وصل إليه برشلونة، ففي زمنه هو لم ينجح هذا الفريق في فرض هيمنته مثلما فعل اليوم، ربما كان سيقول لو وجد ميسي معه من قبل لكان الفريق الكاتالوني الوحيد المهمين على الساحة، كان سيتحدث عن استحقاق ميسي بأن يكون فخرا لبرشلونة ومدرسة لاميسا المختصّة في تكوين اللاعبين والتي كان كرويف من مؤسسيها الأوائل.

ربما لو لم يرحل كرويف كان سيتحدث عن الصراع المُستمر والمُستعر بين ميسي ورونالدو، ويقول إن الموهبة تصنع الكبار والعظماء يطوّعون الموهبة، فموهبة ميسي صنعت منه لاعبا خرافيا وعظمة رونالدو خولت له أن يكون لاعبا موهوبا بشكل خارق.

لو كتب لهذا الحوار أن يكون حدثا واقعيا كان كرويف سيتحدث عن بروز جيل جديد من المدربين، وبلا ريب سيشيد بخليفته غوارديولا الذي حقّق العلامة الكاملة مع برشلونة وزيدان الذي طوّع موهبته الكروية فحافظ على مكانته العالية عندما تحول من لاعب إلى مدرب، كان سيشير إلى رحابة صدر يورغن كلوب، وسيتحدث عن خوزيه مورينهو ذلك المدرب المشاغب.

لو كتب لهذا الحوار أن يجرى اليوم، أي عشية مونديال روسيا، ربما كان سيدلي كرويف بتكهناته بخصوص المنتخبات التي ستتنافس على اللقب، كان سيقول إن منتخب ألمانيا ما زال قويا بما أنه حافظ على امتداد السنوات الطويلة على أسلوبه الذي يشبه أساليب الجيوش من حيث النظام والانضباط الصارم.

كان سيشير أيضا إلى القفزة الكبيرة التي حققها منتخب البرازيل بعد أن استعاد عنفوانه وبات يحتكم على لاعبين رائعين لديهم القدرة على إحراز اللقب، ربما كان سيتحدث عن الفرصة الأخيرة التي يملكها ميسي ورونالدو للوصول إلى مكانة عالية للغاية لم يصلها أي لاعب أسطوري في السابق لو تحقّق الحلم بالحصول على الكأس العالمية.. مثلما تحقّق الحلم بمحاورة كرويف.

23