حوار لهجات

التقطت أنفاسي بصعوبة وأنا أنزل درجات السلم من فرط الرطوبة الخانقة. استعنتُ بالله على ما أجهله.
الثلاثاء 2019/10/08
اكتشاف مرارة أول غربة

ما إن حطّت الطائرة على أرضية المطار، حتى صدمني المذيع بأنّ درجة الحرارة في الخارج 45 درجة مئوية. التقطت أنفاسي بصعوبة وأنا أنزل درجات السلم من فرط الرطوبة الخانقة. استعنتُ بالله على ما أجهله.

 استقبلني قائد سيارة أقلّتنا للسكن المخصّص استعدادا لبدء الالتحاق بالصحيفة التي وجدت في طاقمها دفئا حميميا عوّضني قليلا عن مرارة أوّل غربة. وجدت وليمة عامرة. افترشنا الأرض، فيما زاغت عيني بذهول بين أطباق طعام يحوي كلّ منها نصف خروف يرقد باسترخاء فوق تلٍّ من الأرز المطعم بحبّات الزبيب. بينما كنتُ أنتظر ملعقة أو شوكة، كانت أصابع الزملاء تنغرس وسط كومة الأرز، مكورة بعضها مع قليل من اللحم، وسرعان ما تنزلق إلى الجوف. ثوانٍ ثقيلة مرّت وأنا حائر في كيفية التعامل مع الموقف. عاجلني فيها زميل بالقول “بسم الله.. لا تنتظر ملعقة وتصرّف”. كسرتُ تردّدي مادا يدي اليمنى بجهالة، فإذا سخونة الأرز تلدغني كعقرب فانتفضت مذعورا وسط قهقهات الجالسين.

بمرور الأيام، كان عليَّ الاستعانة بصديق لترجمة كلمات جعلتني موضع سخرية، حتى أوقعتني الحاجة لمناداة نائب رئيس التحرير وقتها. فهرع إليّ مرددا “سَمّ”. انتفضت معاتبا “لماذا تشتمني؟”. ابتسم أكثر وقال “سَمّ هذه تعني أؤمر أو تدلل”. خجلت من سوء ظنّ جعلني أكسر حرف السين كمعنى للاشمئزاز في عاميتنا المصرية.

تكرّر الأمر مع مديري اللبناني، الذي فاجأني وأنا أعمل على صفحة ما قائلا “بلِّش بسرعة”. ولأني حديث العهد لم أفطن إلى أنه يستعجلني. على العكس ظننت أنه يعني “بلاش” أي اصرف نظرا. مزّقت الأوراق وألقيتها في سلّة المهملات. وعندما عاد ليأخذ الموضوع دفعني الإحراج للبحث في سلّة المهملات عن بقايا الأوراق.

أما يوم تعطّلت بطارية سيارتي “غير الأوتوماتيك” فذلك حديث آخر. كان الوقت متأخرا، واحتجتُ لمساعدة من يدفعها معي. ناديت على زميل بلهجتي العامية “لو سمحت.. زُق معايا”، وبدلا من مساعدتي تمتم بكلمات غاضبة لم أفهمها وأشاح بوجهه بعيدا. لم أدرك وقتها أنّ “زُق” هي شتيمة هناك. وتفطنت لذلك على وقع زميل سوداني كان يرقب الموقف وهو يضحك قائلا “اسمها أدُفُر”.. فصرخت يائسا “هو أنا فهمت الأولى كي أفهم الثانية؟”.

24