حوار مع الخريف

الأحد 2016/09/18

أشعل غليونك بهدوء المنكسرين وأناقتهم، واجلس إلى كرسي العمر عند رصيف الذاكرة، وراقب ضجيج أطفال المدارس الذين كنتهم.

أسرج خيولك إنّه الخريف، أيها الشاطئ الذي أتقن اسمه بعد صخب الصيف، الصيف الذي خانه المصطافون، والشجر الذي غادرته الثمار، والطريق التي هجرتها الخطوات.

هو ذا فصل الفصول في السنة المستحيلة، طلقة مسدّس يعلن بداية السباق مع ظلّك في يوم غائم. فصل الثياب عمّا يعلق بها من أجساد.. وفصل التعالي عمّا يصفون. إنّه الخريف أيّها الخريف..

دع عنك لومي يا سيّد البدايات، وأسقط شمسك الصفراء في قاع كأسي كثمرة فاسدة.. ولنتصارح كزوجين من بعد الطلاق.

لماذا ينزعجون من قدومك مثل صوت منبّه في الصباح.. مع أنّهم يعيّرونه بأيديهم قبل الركون إلى الحلم؟

ننتظرك ونخشاك، نهابك ثمّ نتمنّاك مثل شيب.. أنت حزين مثل كلّ الأشياء التي تموت دون أن يغازل جمالها أحد.

ما أشبهني بالفصل الخامس الذي يعرف ولا يدرك، يصيد ولا يصاد، وبحث عنه فيفالدي في موسيقاه ولم يجده.

- أنت تربكني أيها الخريف.

- إنّما جئت لأربكك أيها الغدير الراكد، أيها المغفّل مثل فراشة في الصيف.

لم يغادرني الخريف ولم يبرح دفاتري حتّى أزعم أنّه قد زارني، ولم يكن جاهلا حتّى أدّعي أنّه قد هزمني على حين تذكّر، ولم يكن خريفا كما يجب حتّى أختفي وراء اصفراره.

كان خريفا يختصر كلّ الفصول ويصفرّ كابتسامة حاقد منتصر، كسؤال يتثاءب وينزف دون جواب.

مهلا أيّها الخريف.. ها نحن نواجه العراء بالعراء، والخواء بالخواء، إنّ بنا أوراقا لم تسقط بعد.. وضجيج أطفال لم يطلق بعد.

إنّ بنا نفسا ينفخ في أشجارك فترتدّ إليها أوراقها، وفي الأوراق فتعود إليها حروفها وفي الحروف فيسري فيها حبرها.. وفي الحبر فيمسي نسغا في الأوراق.

ما أصعب الوقوف بينك وبين الأشياء ككاف تشبيه، كمدارج مسرح رومانيّ في الشتاء، كمحارب دون معركة، وكمخالب نسر محنّط. ما أصعب الغضب دون صراخ، والبكاء دون دموع، والكتابة دون قرّاء.. والتعقّل دون سبب.

الزيتون لا يعترف بالخريف يا سيّد العراء، وأوراقنا لا تبعثرها رياحك، ذلك أنها مبعثرة، ونحن لسنا زياتين، بل ظلالها بعد موتها. ها هوّ الكرسيّ الهزّاز يتحرّك دون صاحبه، والغليون يصنع السحاب دون أصابع سيّده.. أين الفصل الخامس؟ ها أنا ذا أتفرّج عليه في عيون الأطفال الراكضين نحو ورطة الحياة، وتناسل السحب في السماء، ودوران الدراويش في حضرة مولانا جلال الدين.

مدد مدد.. يا سيّد الوقت ويا أمير البهجة المستحيلة، فكلّ عام وأنا أنتظر، كل عام وأنا الحلزون الغجري، يحمل وطنا لا يعرفه أحد سواه، يسلك دربا لا يسلكه أحد سواه.. ويرحل عاشقا بعد كلّ مطر.

24