حوار مع "مشروع" انتحاري

الاثنين 2015/06/01

قرأت عن أشخاص كثيرين تبنوا أفكارا بالية، وهم جاهلون أو ذوو ثقافة سطحية، وسمعت أن هناك من زج بهم البعض في بحر من الأفكار العاتية، وهم لا يعلمون شيئا عن نوايا من قذف بهم، ولا يستطيعون العوم وسط الأمواج العاتية أو حتى الهادئة.

امتلأت قلوبهم وعقولهم بجملة من المعلومات الخادعة، وأصبحوا على استعداد لتنفيذ أوامر من دغدغ مشاعرهم واستغل سذاجتهم، مستخدما جميع وسائل الإقناع وكل أنواع الضغوط المعنوية باسم الدين.

هؤلاء تحولوا بسهولة إلى أدوات أو ألعاب يحركها أصحاب أهداف مريضة من أمام أو خلف ستار، وسواء خدع البعض بإرادته أو دونها، ففي الحالتين كان الجهل عاملا مشتركا، ولعب دورا مهما في الاستسلام للعواطف الكاذبة، وأضحى محركا لعدد كبير من التصرفات، حتى لو كان الثمن الحياة ذاتها. وقد تزايدت أعداد من تنطبق عليهم هذه الأوصاف، بصورة مثيرة للانتباه، ولم تعد الظاهرة قاصرة على دولة غنية وأخرى فقيرة، عربية أو غير عربية، في الشرق أو الغرب، وربما تجدها في أي مكان، متخفية وراء قناع الدين.

فكم من أشخاص وقعوا في شراك باسمه؟ وكم من عديمي الضمير استخدموا فنون متعددة للحيل لجذب المريدين؟ وكم من ضحايا راحوا نتيجة ضعف الإرادة وقلة الخبرة؟ وكم من شباب انتهى بهم الحال، إما بالهلاك أو السجن أو إدمان الهروب خشية ملاحقات أمنية هنا أو مطاردات أهلية هناك؟

الأشهر الماضية كشفت عن كثير من ضحايا بسطاء وقعوا في براثن شبكات سياسية لا ترحم، قدمت نماذج متعددة من الجهلاء والمتآمرين انساقوا وراء فكرة خاطئة واستجابوا لنداء شخصية مريضة، وخضعوا لغسيل مخ من قبل أشخاص وتنظيمات لا تؤمن بالوطن ولا ترحمه.

كل ما يريدونه التخريب وعدم الاستقرار، وجميع المساعي تجري وراء هدف التدمير، وكلما توغلوا فيه ازدادوا إمعانا وانتشارا، ليس لأنهم على يقين بصواب المقصد والعقيدة، لكن لأن الاعتراف بالخطأ لم يعد فضيلة، وتحول إلى جريمة، لذلك كلما وقعوا في فخ حاولوا القيام مرة ثانية وثالثة، دون نظر لحجم الخسائر البشرية.

لقد تمكن من يقف خلف هؤلاء من السيطرة على مزاج فئة من الشباب، ودفعوا فئة منهم إلى التضحية بلا ثمن، ونجحوا في تجهيز فئة أخرى قد تلحق بهم في أي زمن.

قادتني الظروف خلال الأيام الماضية إلى لقاء أحد الذين على استعداد للموت دون مقابل وبلا جريرة، ودخل معي في حوار تصورت في البداية أنه عبثي ولا جدوى من استكماله، لكن صبرت عليه لاستكشاف أفكاره، ومعرفة الأسباب التي قادته إلى أن يتحول إلى “مشروع” انتحاري يمكن أن ينفجر في أي لحظة وفي أي مكان، وخلاصة الحوار يمكن إيجازها في أربعة نقاط رئيسية، قد تساهم في فهم تزايد عدد المتشددين.

الأولى، أن صاحبنا عامل بسيط في مؤسسة حكومية مصرية، يتمتع بهامش ضئيل من التعليم، ولديه قدر كبير من المشاكل الاقتصادية، وعلى درجة من الفشل في الحياة الاجتماعية بصورة لا تخطئها العين، ويبدو أنه خضع لعملية منظمة لترديد أفكار مغلوطة، حتى أنه يتحدث عن التنظيم الذي ينتمي إليه باعتباره الفرقة الناجية التي يجب تأييدها، لأنها الوحيدة التي تمتلك الحجة والبرهان، ليس لإنقاذ بلده، لكنه زعم أنها قادرة على إنقاذ العالم بأسره من الشرور التي تنتشر في ربوعه.

الثانية أنه عنيد ولا يتزحزح عن موقفه، مهما تقدم له من معلومات حقيقية، وتصوب له أخطاء فاضحة، فهو لم يقتنع، فقد اتخذ موقفا مسبقا برفض التشكيك في الثوابت التي حفرت في مخيلته، بشكل يؤكد أن محاورة الجاهل مهمة مضنية تجبرك في النهاية أن تفقد تعاطفك معه، وتسلم بأن مصيره أن يكون منتحرا بمفرده، أو يأخذ في طريقه عددا من الأبرياء، فتصميم من لا يسمع أو يعقل أو يتعظ يؤدي إلى الهلاك.

الثالثة، الزعم بأن هناك حربا منظمة على الإسلام من الواجب التصدي لها، وقد تشكلت قناعة راسخة لدى صاحبنا حول وجود مؤامرة على الإسلام، تشارك فيها أطراف محلية وخارجية، من الواجب التصدي لها بكل السبل، وعندما تتحدث معه عن ملامحها، يقدم لك القشور من المعلومات تتسم غالبيتها بعدم الصواب، ثم يسرد سلسلة من المواقف غير الدقيقة أملا في أن يدلل على صحة كلامه، وهو على استعداد للتضحية بنفسه في الدنيا للذود عن الإسلام، وسوف يكافأ على أي فعل يقوم به في الآخرة، وزعم أن مفاتيح الجنة تحت قدميه نظير ما يقدم عليه.

النقطة الرابعة، تتعلق بقلب الحقائق رأسا على عقب، وهي سمة مشتركة بين غالبية المنتمين للفكر المتشدد، فهؤلاء لا يصدقون إلا ما يتلقونه من مصادر بدائية يتعرضون لها دون غيرها، وليسوا على استعداد لسماع رؤية مختلفة، الأمر الذي يفسر مدى ما وصل إليه العقل من تغييب، والخضوع لعملية خداع وصلت إلى رفض معرفة الآخر والتعامل معه باعتباره شيطانا يجب الابتعاد عنه.

ملامح الانغلاق السابقة لا تقتصر على هذا النموذج، لكنها منتشرة وسط كل أقرانه، وهم فئة تزداد يوما بعد آخر، حيث نجحت قيادات التطرف في استثمار غياب المشروعات المدنية لبث أفكار غيبية براقة تخلب القلوب، وجرى توظيف كل الإمكانيات لجذب قطاعات كبيرة من هذه النوعية، لذلك من الضروري التفكير بإمعان في التعامل مع أمثال صاحبنا لمحاصرة ظاهرته البغيضة، فقد أصبح مشروعا جاهزا للانفجار.

كاتب مصري

9