حوار مونترو.. هل فرض وجهة النظر الأميركية لحل الأزمة الليبية

المرحلة التمهيدية للحل الشامل ستعبّد الطريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في مواعيد لا تتجاوز 18 شهرا.
الخميس 2020/09/17
توجه نحو تهميش دور الجيش الليبي

بينما كانت الأضواء مسلطة على اجتماعات “بوزنيقة” المغربية، برزت اجتماعات أخرى تشاورية حول الأزمة الليبية تنعقد في بلدة مونترو على ضفاف الساحل الشمالي الشرقي لبحيرة جنيف بغرب سويسرا، دون أي اهتمام إعلامي، ودون جدل واسع حول المنتظر منها.

ولكن اللافت أن البيان الختامي الصادر عن “حوار مونترو” أكد أنها الأكثر تأثيرا في مسارات البحث عن الحل السياسي، خصوصا بالنظر إلى التوصيات الصادرة عنها والتي تترجم وجهة النظر الأممية والأميركية.

واعتبر البيان أن “المرحلة التمهيدية للحل الشامل” مهلة زمنية لإعداد الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مواعيد لا تتجاوز 18 شهرا وعلى أساس قاعدة دستورية متفق عليها.

وأوصى المجتمعون بإعادة هيكلة السلطة التنفيذية لتتشكل من مجلس رئاسي من رئيس ونائبين ومن حكومة وحدة وطنية تكون مستقلة عنه، واختيار أعضاء المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة في إطار أعمال لجنة الحوار السياسي الليبي، ويكلف الأخير بتشكيل حكومة وحدة وطنية تراعي وحدة ليبيا وتنوعها الجغرافي والسياسي والاجتماعي، ويطرحها لنيل الثقة.

ولعل أبرز ما يمكن التوقف عنده في هذه التوصيات، يمكن تلخيصها في خمسة محاور أساسية، الأولى، تتمثل في تجاوز ما اقترحه رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في أغسطس الماضي وأعاد الإشارة إليه وزير خارجيته محمد سيالة من تنظيم الانتخابات في مارس 2021، وتثيبت فكرة استبعاد الموعد الانتخابي لمدة عام ونصف العام، وفق ما نص عليه إعلان القاهرة، ما يعني أنها لن تنتظم إلا في العام 2022.

أما النقطة الثانية فتتمثل في تبني ما جاء في مبادرة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح وإعلان القاهرة من تشكيل مجلس رئاسي جديد يتكون من رئيس ونائبين اثنين، ما يعني وجود اتفاق إقليمي ودولي على الإطاحة بالمجلس الرئاسي الحالي الذي فقد شرعيته بانتهاء مدة ولايته المقررة ضمن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015.

وهذا المقترح سيتم بموجبه تفكيك تركيبته الأصلية التي تمنحه شرعية القرارات الصادرة عنه بعد انسحاب عضوين، هما موسى الكوني وفتحي المجبري وتجميد عضوين آخرين هما عمر الأسود وعلي القطراني، وفشله في الحصول على تزكية مجلس النواب لحكومته التي لا تزال منذ 2016 تعتمد على التفويض للمناصب الوزارية، مع عجزها عن تنفيذ مهامها.

وبالنسبة للتوصية الثالثة فدعت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية على أنقاض حكومتي السراج والمؤقتة، وهو ما يتجاوب مع ما ورد في مخرجات مؤتمر برلين وإعلان القاهرة الذي نص على حصول كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقا لعدد السكان عقب التوافق على أعضاء المجلس الرئاسي الجديد وتسمية رئيس الحكومة.

ويفترض ألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (المجلس الرئاسي – مجلس النواب- مجلس الوزراء) بحيث يحصل إقليم طرابلس على 9 وزارات وإقليم برقة على 7 وزارات وإقليم فزان على 5 وزارات على أن يتم تقسيم الوزارات الست السيادية على الأقاليم الثلاثة بشكل متساو مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين.

وتضمنت التوصية الرابعة مقترحا أميركيا واضحا وافق عليه الأوروبيون بخصوص نقل مؤسسات السلطتين البرلمانية والتنفيذية والمؤسسات السيادية إلى مدينة سرت التي يراد لها أن تكون منطقة منزوعة السلاح وتخضع للتأمين بواسطة شرطة مدنية من شرق وغرب البلاد.

وهذا يعني تحرير القرار السياسي والمالي والاقتصادي والأمني من براثن الميليشيات، غير أن هذه النقطة لا تزال مثار جدل وخاصة من الجيش الوطني والقوى الموالية له، التي تعتبر أن خروج قواته من المنطقة يعني فتحها أمام الاحتلال التركي ومرتزقته وميليشيات مصراتة، بما يمثله ذلك من خطر على الهلال النفطي وشرق البلاد وصولا إلى المساس من الأمن القومي المصري الذي قال الرئيس عبدالفتاح السيسي إن “منطقة الجفرة سرت تمثل خطا أحمر بالنسبة له”.

مساع لتغييب دور المشير خليفة حفتر
مساع لتغييب دور المشير خليفة حفتر

وتعد التوصية الخامسة أكثر لفتا للانتباه حيث تطرح الاتجاه نحو المصالحة الوطنية وتفعيل قانون العفو العام وإطلاق سراج السجناء السياسيين وإنهاء ظاهرة الاحتجاز القسري وإعادة المبعدين والنازحين وجبر الضرر دون إسقاط الحق الشخصي في التقاضي.

ويشير هذا الأمر إلى اتفاق دولي وإقليمي على إدماج أنصار النظام السابق في العملية السياسية في تأكيد على ما قالته رئيسة البعثة الأممية بالإنابة ستيفاني ويليامز من أن استبعاد أنصار القذافي من اتفاق الصخيرات كان ثغرة حقيقية نظرا لما يمثلونه من قوة على الأرض.

كما أن تفعيل العفو العام سيشمل الميليشيات المسلحة التي ارتكبت جرائم فظيعة منذ 2011، وأمراء الحرب المتورطين في تدمير المدن وقتل المدنيين ونهب الثروات ودعم الارهاب، وهو ما يسعى إليه قادة الميليشيات والجماعات الإرهابية المتدثرة بغطاء العمل السياسي والحراك الثوري تحت شعارات فبراير.

وما صدر عن اجتماعات مونترو هو نتاج لجهود مضنية في الحوار والاستماع إلى مختلف الأطراف داخل ليبيا وخارجها، ومحاولة البحث عن مقاربة واقعية للحل السياسي، رغم محاولات الاختراق الحاصلة، لكن بالنظر إلى الخطوط العريضة يمكن القول إنه أفضل ما تم التوصل إليه حتى اللحظة من حيث النظرة الشمولية للأزمة التي تعرفها البلاد منذ العام 2011.

وقد رحبت ويليامز، بنتائج الاجتماع الذي جاء في “نقطة تحول حاسمة في مسعى طويل بحثا عن حل شامل للأزمة الليبية” كما أشادت الولايات المتحدة بالمشاورات، التي جرت بين 7 و9 سبتمبر الجاري في مونترو تحت رعاية مركز الحوار الإنساني وبحضور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

ويرى مراقبون أن حماس البعثة الأممية وواشنطن والعواصم المرتبطة بخيارتها لنتائج اجتماعات مونترو كان واضحا بعكس موقفيهما من مشاورات بوزنيقة التي كانت ذات منحى إجرائي لتحصيل توافقات على تقاسم مناصب سيادية.

وأبرز ما يمكن ملاحظته هو الاتجاه لتهميش دور المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي، ما يطرح جملة من الشكوك حول مركز الحوار الإنساني بجنيف المتهم بفقدانه الحياد في التعامل مع الأزمة الليبية واقترابه أكثر من قوى الإسلام السياسي.

6