حوار وطني تونسي.. في بيزنطة

السبت 2013/11/09

الحوار الوطني التونسي الذي انطلق- رسميا- منذ 23 تشرين الأول الماضي يوحي بأنه يستعيد كل ملامح النقاش البيزنطي، بعقمه وعدم جدواه ومراوحته مكانه. الأصوات تعالت منادية بضرورة إجراء «حوار» معمق لتفكيك عقد الأزمة المستفحلة منذ اغتيال شكري بلعيد في 6 فبراير، والتي ازدادت أغوارها عمقا مع اغتيال محمد البراهمي ذات 25 يوليو، واكتسبت أخاديد جديدة مع تعدد الأعمال الإرهابية التي ضربت هنا وهناك، هذا فضلا عن قضايا حارقة باتت في حكم المنسية أو المؤجلة مثل البطالة والفقر وغلاء المعيشة.

كان على الحوار الوطني المفترض خوضه أن يطرح كل هذه القضايا وغيرها على طاولة النقاش الفعلي، وأن يجد لها حلولا أو تصورات تؤدّي إلى الحلّ، وقد ترجم ذلك كله في ضرورة خروج الحكومة الحالية، وتعويضها بأخرى تنزع نظارات الوهم وترى البلاد كما هي بلا غشاوات التبرير والتنميق وبعض الكلام الإنشائي.

انطلق الحوار الوطني بقدر كبير من التضليل منذ البداية، حيث لخّصت كل قضاياه ومراميه في جلوس «فرقاء السياسة» لاختيار رئيس الحكومة الجديد الذي سيعوض علي العريّض، الذي عوّض بدوره فشل سلفه حمادي الجبالي (فشل اعترف به هو نفسه ورفضت حركة النهضة الإقرار به)، لكن ما تم اختزاله من القضايا عرف كمّا غير مختصر من العقبات. هنا بدا للبعض أن الحوار الوطني ليس كذلك، بل استحال «تفاوضا» أو «نقاشا» عبثيا، يركن فيه كلّ طرف إلى زاوية رأيه ويأبى مغادرتها خوفا على مواقعه أو مصالحه أو عليها مجتمعة.

بين الاستماتة في الموقف والتشبث بالرأي، وادعاء المرونة والاستعداد للتجاوز، تفاوت بيّن، فحركة النهضة التي تحولت- منذ مجيئها باعتمادها الشعارات الدينية مطية، إلى آلة سلطوية طاحنة لا تبقي ولا تذرُ، تخوض «الحوار الوطني» بعقلية ساعية إلى المحافظة على أكبر قدر من المكاسب، ولم لا حصد ثمار جديدة في وجود معارضة هاوية سياسيا.

تحضر النهضة إلى الحوار الوطني للتفاوض وللنقاش، وتصر على موقفها، وتستميت دفاعا عن مرشحها لرئاسة الحكومة، وإن انسدت السبل، فإن الحوار يعلق بكل بساطة ليستأنف لاحقا (تحديد الموعد هنا ليس مهما) ولا يأبه أحد لأن البلاد تعاني من انسداد الشرايين. في «تفاوض» النهضة مع خصومها (يشمل التصنيف رعاة الحوار أيضا) قدر هائل من الساديّة السياسية، حيث يصمت من يمثل النهضة في قاعة الحوار المزعوم، ليستمع إلى صخب النقاش والآراء، ثم يعلن «بكل حزم» رأيه القاضي بأن الحركة وشركاءها تريد أن يرأس الحكومة أحمد المستيري ولا أحد غيره، وإلا نعود إلى نقطة الصفر.

طريقة الصمت هذه أشار إليها طرف في الحوار الوطني (تحدث سمير بالطيب القيادي في المعارضة في برنامج تلفزيوني أن رئيس المنظمة الشغيلة كان يلحّ على ممثلي النهضة أن يقولوا رأيهم في ما يدور ولكنهم يصرون على الصمت للاستماع)، تشير إلى منهجية حركة النهضة في إدارة الحوار وخوضه: «نصمت ونسمع كل الآراء ثم نعلن ما نراه ليصبح شرطا للتقدم»، وهي منهجية فيها من المكر والعنجهية ما يكفي ليعطل أي حوار. وطريقة الصمت تشي أيضا بأن النهضة والترويكا المتآكلة، تمارس ضربا طريفا مستجدا من الديمقراطية تقوم على «قولوا ما شئتم وسنفعل ما نريد».

يقال دائما إن الحوار، أي حوار، يجب أن يُخاض بغايات محددة وبعقلية إيجابية تسعى بديهيا إلى إنجاحه، وإلا فإنه سيتحول إلى لغو وهراء ونقاش بيزنطي. لكن الملاحظ أن الحوار الوطني التونسي تخوضه أطراف لا تسعى فعلا إلى إنجاحه بل تراه هدفا في حدّ ذاته. الحوار هدف ومراميه كسب الوقت والمناورة وتأجيل الأزمة وإثارة مشاغل جديدة في إطار سياسة «ننحني حتى تمرّ العاصفة»، والبلاد تعاني انسداد الشرايين.

وراء انسداد الحوار الوطني التونسي وضيق أفقه، أطراف تتقاسم المسؤولية وإن بتفاوت: الطرف الحاكم لا يرى خارج مصالحه وضمان بقائه وهيمنته على السلطة، حتى وإن أجبر غيره على تسديد فواتير أخطائه. والطرف المعارض يخوض الحوار مشتتا، ومتأثرا بجراح «طائفية سياسية» قديمة لم تنجح المجاملات التلفزيونية في تبديدها وإخفاء أورامها.

ومع الإقرار بأن المسؤولية الكبرى في العطالة التي ركنت إليها البلاد تعود إلى الطرف الحاكم (بقيادة حركة النهضة) إلا أن الدرس المستفاد من ملهاة «الحوار الوطني» هو أن قواعد السياسة كلها وضعت جانبا، وتم الاستنجاد بأدوات القبلية السياسية لحل أزمة هيكلية تردت فيها البلاد منذ 23 تشرين الأول 2011، ولذلك كله لن يؤدي «حوار وطني» (لم ينطلق بعد حسب تقدير عديد الساسة) أريد له أن ينتظم في تونس ليتحاور خلاله لفيف من الصمّ بآليات بيزنطية.


كاتب تونسي

9