حوار وطني في تونس لا يشترط استقالة المشيشي

الرئيس التونسي قيس سعيد يمهد لترتيبات سياسية تضع حدا للتصعيد.
الأربعاء 2021/06/16
طاولة صغيرة لاتفاق كبير

تونس – عكس اجتماع الرئيس التونسي قيس سعيد برؤساء الحكومات السابقين ورئيس الحكومة هشام المشيشي الثلاثاء بوادر التهدئة التي لاحت في الأفق قبل أيام بعد أشهر من القطيعة بين رأسي السلطة التنفيذية.

وبعث الاجتماع، الذي عُقد بقصر قرطاج بين الرئيس سعيد وهشام المشيشي ويوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ وعلي العريض، رسائل طمأنة إلى التونسيين بشأن انطلاق حوار وطني دون شروط مسبقة.

وغاب عن الاجتماع كل من حمادي الجبالي ومهدي جمعة لوجودهما خارج البلاد فيما تغيّب الحبيب الصيد لاعتبارات صحية.

هشام الحاجي: استقبال سعيد للمشيشي يؤكد بقاءه على رأس الحكومة
هشام الحاجي: استقبال سعيد للمشيشي يؤكد بقاءه على رأس الحكومة

وأوحى الاجتماع بأن حكومة المشيشي تقترب من ضمان بقائها رغم الانتقادات التي يواجهها رئيس الحكومة الذي يشغل أيضا منصب وزير الداخلية.

وتزامن هذا الاجتماع مع إطلاق سراح نبيل القروي رئيس قلب تونس، الحزب الثاني في التحالف البرلماني الداعم للحكومة.

وأشارت أوساط سياسية تونسية إلى أن الرئيس سعيد تراجع خطوةً إلى الوراء في محاولة لإظهار حسن نواياه بشأن الحوار الوطني لإنهاء الأزمة التي ترزح تحت وطأتها البلاد، مشيرة إلى أنه لا يمانع في بقاء المشيشي على رأس الحكومة مع إجراء تعديل وزاري جديد أو الاتفاق على استبعاد عدد من الوزراء الذين رفضهم سابقا، وبالتالي القبول بالتعديل الذي جرى تمريره في يناير الماضي أمام البرلمان.

وقالت تلك الأوساط إن الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي لعب دورا كبيرا في إبلاغ الفرقاء بمختلف وجهات النظر لحلحلة الأزمة بين رأسي السلطة التنفيذية على ضوء تفاهمات جديدة، لاسيما أن الأزمة التونسية مركبة وتتصل بصراع الصلاحيات بين الرئيس سعيد وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان.

وقال الغنوشي إن أمين عام اتحاد الشغل أبلغه بأن قيس سعيد قبِلَ أن يشرف على الحوار الوطني “ونحن ننتظر الدخول في تفاصيل وشروط ومرتكزات هذا الحوار على اعتباره الحل الوحيد لحل مشكلات تونس مع تمسكنا بعدم إقصاء أي طرف”.

وبدا الرئيس سعيد وكأنه لا يمانع في الانفتاح على حركة النهضة الإسلامية، حيث بدأت منذ فترة نذر دخوله في مواجهة معها تلوح أكثر من أي وقت مضى، خاصة أن الاجتماع ضم نائب رئيس الحركة علي العريض.

وفي تعليقها على الاجتماع الذي جمع الرئيس سعيد برؤساء الحكومات السابقين لم تُخف قيادات حركة النهضة تفاؤلها بالحراك الحالي لإنهاء الأزمة انطلاقا من مبادرة اتحاد الشغل المتعلقة بالحوار الوطني.

وقال القيادي بالحركة فتحي العيادي إن “الرئيس سعيد قدم مقترحات مختلفة نقلها الطبوبي إلى رئيس الحركة وكذلك بقية الأحزاب”، وأضاف أن الرئيس ترك للأحزاب حرية رأيهم في ما إذا كانت صبغة الحكومة مستقلة أم سياسية.

وتابع العيادي في تصريحات لإذاعة محلية “ماذا تقترح الأحزاب في هذا الشأن؟ هناك شيء من التركيز حول ترك الأمر لأحزاب تتشاور بخصوص هذا الأمر وفي الحقيقة فهمنا أن رئيس الجمهورية لم يضع شروطا مسبقة”.

وقال “الحديث متمركز حول حكومة المشيشي، هذا هو المطروح، والحدث تجاوز الحديث عن التعديل الوزاري القديم، وطرح فعلا من قبل الرئيس التخلي عن أربعة وزراء ضمن التعديل الوزاري بعد أن قال إن شبهات فساد تحوم حولهم”.

Thumbnail

وأكد القيادي في حركة النهضة على أنه سيتم تقييم وزراء الحكومة للمفاضلة بين الإبقاء على حكومة كفاءات مستقلة أو التوجه نحو حكومة سياسية.

ويرى مراقبون أن الرئيس سعيد بعث برسائل مفادها أنه لا يمانع في بقاء المشيشي على رأس الحكومة، في تحول مفاجئ في موقف الرئيس يعزى على الأرجح إلى الضغوط الخارجية المسلّطة على الفرقاء من أجل تحقيق استقرار سياسي، لاسيما من قبل المانحين الدوليين والولايات المتحدة التي تحركت بوتيرة أسرع لوقف التصعيد بين الأطراف السياسية.

وقال المحلل السياسي هشام الحاجي إن “استقبال الرئيس سعيد لهشام المشيشي دليل على أنه لا يمانع في بقائه على رأس الحكومة لكن وفق شروط يحددها، وهناك حديث متواتر في هذا الصدد”.

هيكل المكي: حكومة المشيشي انتهت أخلاقيا وسياسيا
هيكل المكي: حكومة المشيشي انتهت أخلاقيا وسياسيا

وأضاف الحاجي، في تصريح لـ”العرب”، “هناك حديث عن تعديل وزاري جديد يستثني الوزراء الذين يعتبر الرئيس أنه تحوم حولهم شبهات فساد، أما الجانب الثاني فهناك دعم من قيس سعيد لعدم مرور رئيس الحكومة أمام البرلمان في سياق تأويل للدستور، وفي خطوة تهمش البرلمان وهنا لا أعتقد أن حركة النهضة ستقبل بهذا”.

في المقابل بدت الأحزاب التي تمثل الحزام الداعم للرئيس سعيد (حركة الشعب القومية والتيار الديمقراطي) مرتبكة إزاء التطورات الجديدة على الساحة السياسية حيث رفض الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي الحديث عن حوار وطني في ظل المناخ الذي يسود البلاد.

وبدوره قال النائب البرلماني عن حركة الشعب هيكل المكي “نحن في حركة الشعب مع تفنيد كل الإشاعات التي يطلقها الإخوان المسلمون في تونس بشأن عدم قبول الرئيس سعيد بالحوار واتهامه بالانغلاق على نفسه”.

وشدد المكي في تصريح لـ”العرب” على أن “الحكومة ليست إلا أداة لكن الحوار يجب أن يكون بشأن هذه المنظومة التي فشلت ولا يجب أن تستمر، علينا تقييم دستور 2014، وعلينا مناقشة المضامين الكبرى التي تحفظ للدولة استمراريتها وللشعب كرامته”، لافتا إلى أن “حكومة المشيشي انتهت أخلاقيا وسياسيا ولم تقدم شيئا غير الفشل”.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد أطلق مبادرة للحوار الوطني يُشرف عليها الرئيس سعيد منذ ديسمبر الماضي قبل أن يزيح منذ أيام الأمين العام للاتحاد الغموض الذي يلف مصير تلك المبادرة حيث شدد على أن هناك بوادر إيجابية ترجمها اجتماع الثلاثاء.

لكن نجاح الحوار -أو عدم نجاحه- في إنهاء الخلافات الحالية بين الرئيس سعيد والغنوشي يبقى غير مضمون خاصة أن الطرفين يجمع بينهما صراع صلاحيات منذ اعتلاء الغنوشي رئاسة المجلس النيابي.

وقال هشام الحاجي ”هناك عنصر يكاد ينساه الجميع وهو أن الغنوشي وقيس سعيد لا يثقان في بعضهما البعض، وهذا سيلقي بظلاله على مسار الحوار الوطني لاسيما في ظل النظام السياسي الحالي، الحوار الوطني لن ينجح إلا في وضع حد للاحتقان”.

1