حواضر المغرب تكرّس في الثقافة العربية أيام القصة القصيرة

الأربعاء 2014/05/21
جانب من الحضور في ملتقى القصة القصيرة بالمغرب

انتصارا على “زمن الرواية” ربما، وتساوقا مع مناسبة اليوم العالمي للقصة الذي يصادف يوم الرابع عشر من شهر فبراير، ها قد صار للقصة القصيرة بالمغرب يومها الوطني! لا يتعلق الأمر بترف ثقافي وإنما بنضالات طويلة رفعت المطلبَ إلى شأن عام حيوي، وما دمنا لا نعيش بالخبز وحده وإنما بالاستعارات والرموز أيضا، فلِمَ لا يكون الحكي أولا، ثم يأتي الذي يأتي؟

لقد بدت الفكرة، في أول الأمر، مجنونة أو تكاد، أطلقها بعض القصاصين قبل عقدين من الزمن على سبيل الدعابة، وظلت تختمر إلى أن تجسدت بالملموس في بيان تمت صياغته في مدينة بلقصيري شمال المغرب، عقب اختتام فعاليات ملتقى القصة القصيرة سنة 2007، وهو ملتقى دأبت جمعية “النجم الأحمر” على عقده كل سنة، ما انفكت تحضره نخبة من كتاب القصة ونقادها ومحبيها على غرار الباحث والقاص أحمد بوزفور، الذي قدّم ورقة نقدية حول موضوع “عنوان القصة”، ركز فيها على ثلاثة محاور، هي العنوان الاسم الذي يشكل محور القصة والعنوان الوظيفة وهو عنوان لا علاقة له بالموضوع لكنه يعتبر جزءا من القصة، والعنوان النشاز وهو شائع لدى كتاب صحارى أميركا ويعبر عن الغرابة في موضوع القصة.


تراكم ملحوظ


صحيح أن الاحتفاء بالقصة القصيرة، في المغرب، كان دوما في صدارة الاهتمامات الثقافية لعديد من الإطارات الجمعوية نذكر منها، مثلا، جمعية الشعلة، مجموعة البحث في القصة، الكوليزيوم القصصي، نادي الهامش القصصي، وغيرها.. ومن أجله أحدثت مجموعة من مراكز الدراسات والبحوث وخصصت له مجلات مواقع ألكترونية بمبادرات بعضها مدني والآخر حكومي، مما جعل القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا تحققان تراكما لافتا للانتباه، مقارنة بباقي الأجناس الأدبية الأخرى. فعلى امتداد السنة، ومن شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ما فتئ الاحتفاء بهذين التنويعين السرديين يتزايد ويتقوى لدى الأشخاص والجماعات ذات الاهتمام.

وهكذا صار لكل مدينة أو جهة لقاؤها الوطني الخاص بالقصة القصيرة: زاكورة وورزازات ومراكش وخنيفرة وابن أحمد والجديدة وبرشيد والفقيه بن صالح والدار البيضاء والقنيطرة ومكناس والناظور وبركان وغيرها.. إلى حد أن ملتقيات القصة القصيرة غدت أكثر من أن تحصى. إذ قد يحدث -وحدث- أن يتزامن أكثر من ملتقى وطني للقصة القصيرة في الفترة ذاتها وفي الوطن ذاته، مما يجعل من لوائح المدعوين، أحيانا، تكرر الأسماء نفسها وهذا قد يربك الجهات المنظمة والجهات المدعوة على السواء.

الاحتفاء بالقصة القصيرة، في المغرب، كان دوما في صدارة الاهتمامات الثقافية لعديد من الإطارات الجمعوية

ولأجل هذا الغرض بالذات تم إنشاء تنسيقية أنيط بها السهر على برمجة أنشطة الجمعيات واقتراح آليات لضبط طرق الاشتغال ضمن أجندات محددة سلفا. بيْد أن أمرا من هذا القبيل يبدو متعذرا ما لم يكن مستحيلا خاصة وأن أغلب التظاهرات تقوم على العمل التطوعي ولا يمتلك أصحابها موارد قارة أو وعودا بدعم مضمون.


أعطاب كثيرة


مع ذلك فإن ظاهرة كثرة المهرجانات في حد ذاتها إيجابية في ظل واقع ثقافي يشكو من أعطاب كثيرة لعل من بينها ضعف الهياكل المؤسسية وعدم وجود إستراتيجيات ثقافية واضحة وتناقص عدد القراء وقلة المتابعات النقدية.

صحيح أن هذا الخلل قد يكون له بعض التداعيات التي يمكن اعتبارها طبيعية وعادية، ذلك أن القصة القصيرة، وخاصة القصة القصيرة جدا، صارت جحشا قصيرا يمتطيه الجميع وحرفة ممن لا حرفة له، بحيث أضحى الكل يكتبها ويُغرق الأكشاك بمجاميع قصصية وإصدارات بعضها لا علاقة له بالقصة من قريب أو بعيد، أو على الأقل قد يفتقر إلى الحد الأدنى من ماء الإبداع القصصي. وهو ما يسهم في خلط كثير من الدراهم المغشوشة بالدراهم الذهبية. ومع ذلك فإنه، والحال هذه، لا مفر من غض الطرف والعمل بمقولة ماو تسي تونغ “دع مئة زهرة تتفتح ولو أدمى شوكها يدك” ولرب مشكل في الوفرة أهون من مشكل في الخصاصة.

القصة القصيرة جدا، صارت جحشا قصيرا يمتطيه الجميع وحرفة ممن لا حرفة له


فوضى خلاقة


وفي خضم هذه “الفوضى الخلاقة” التي يتعارك فيها الجيد مع الرديء وتصارع فيها القصة القصيرة ربيبتها المدللة القصة القصيرة جدا، لا تعدم الساحة القصصية المغربية إشارات مضيئة ودالة يعود إليها الفضل في الحفاظ على “شرف القصة” وشرف الاحتفاء بها. ذلك أن جل اللقاءات دأبت، في كل مرة، على الانعقاد تحت يافطة رمز من الرموز القصصية التي تركت بصماتها المخصوصة في مجال الكتابة القصصية المغربية يتم اقتراحها من قبل المشاركين في ختام كل دورة، وتخصص لها ولإبداعها، الجلسة الأولى من الأشغال، قد يحضرها هو، أو يحضرها أفراد أسرته وذو الحقوق إن كان مريضا أومتوفيا، في جو دراسي واحتفائي يكرّس لسنـّة حميدة وتقليد جميل ما أحوج واقعنا إليه، لأنه يصالح القصاصين مع ذاكراتهم وذواتهم ويرسّخ لديهم، ولدى من يشاركهم الأفق المشترك، فضيلة العرفان والامتنان.

ولعل مثل هذه العوائد الطيبة قد تسهم في ربط الإبداعي والأدبي بالإنساني، و”تستدرج” قامات قصصية للحضور وعدم تفويت المناسبات القصصية التي تقام على شرف بني سلالتها. ولأن المناسبة شرط فإن ملتقى مدينة مشرع بلقصيري العاشر الذي انعقد أواسط شهر مايو الجاري اختار أن يكرّم القاص والروائي الراحل مبارك الدريبي في التفاتة رمزية أدخلت السرور على أسرة المرحوم ورفاقه وقرائه جميعا.

14