حوثيون في بغداد: وداعا للعروبة

السبت 2015/05/23

يزعم بعض العراقيين أن العرب يوم تخلوا عنهم دفعوا بهم إلى الحضن الإيراني. وهي فرية لا تستقيم مع وقائع التاريخ.

في حقيقتهم فإن العرب لم يكونوا في حجم التحدي الذي مثلته كارثة احتلال العراق. لذلك فإن السؤال الذي سيكون عليهم أن يجيبوا عليه في المستقبل لا يتعلق بظهورهم التي أداروها للعراق بل بأيديهم التي مدوها من أجل أن يصل المعارضون العراقيون السابقون إلى الحكم.

أعلينا أن نكون سذجاً فنصدق أن العرب لم يدركوا يومها أن النتائج كلها ستدعم النفوذ الإيراني في العراق؟

لقد تبين في ما بعد أن المشروع الأميركي في العراق في الجزء الأكبر منه كان إيرانياً. وهو ما لم يكن يزعج الإدارة الأميركية إلا في حدود ضيقة. ذلك لأن الهيمنة الإيرانية على العراق سستبقي البلد تحت السيطرة للعشرات من السنين.

ما خسره العرب في العراق كان مخططا له وقد ساهموا فيه.

يصح ذلك على اليمن. ذلك لأن العرب لم يشعروا بالخطر إلا بعد أن تحول الحراك الحوثي إلى جزء من المشروع الإيراني في المنطقة. وكما في العراق فإن إيران تستعمل الكذبة الطائفية للتغطية على حقيقة مشروعها السياسي.

وهي الكذبة التي يعمل أتباع إيران من العرب في العالم العربي على تطبيعها سعيا وراء إحلال الولاء الطائفي المفرق محل الهوية القومية الجامعة.

وإلا ما الذي يفعله وفد المتمردين الحوثيين اليوم في بغداد؟

لم يحضر الحوثيون إلى بغداد بإعتبارهم عربا. هناك هوية أخرى تجمعهم بمن يستقبلهم في العاصمة التي يقال إنها باتت مهددة بالغزو الداعشي.

دعائيا ومن أجل الاستمرار في حملة التضليل فإن «شيعة اليمن» وقد استقر بهم تمردهم باعتبارهم غزاة يتداولون أمورهم مع أخوتهم «شيعة العراق» الذين فشلوا عبر عقد من الزمن في بناء دولة، بل تشظى العراق في حقبتهم وصارت أجزاؤه، يحارب بعضها البعض الآخر.

ولكن الصفة الطائفية هنا مجرد قناع مؤقت، سبق لطهران أن أزاحته غير مرة حين أعلنت أن أذرعها صارت تمتد من العراق إلى اليمن. وهو ما يعني أن ذراعين إيرانيين تلتقيان اليوم في بغداد.

وهو ما يؤكد أن الزعامات السياسية في العراق لم تجد مانعاً من إعلان عدائها للعرب في الوقت الذي صار الحوثيون يشكلون تهديداً مباشراً للأمن العربي.

ولكن هل من مصلحة العراق في الوقت الحالي، العصيب بالذات أن يسقط في هذا الفخ الذي سيزيد من عزلته عربيا؟

كما يبدو فإن مشروع رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في الانفتاح على المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي قد أجهض مثل مشاريعه الأخرى في محاربة الفساد والحد من نفوذ الميليشيات والمصالحة الوطنية.

ليس حدثاً طبيعياً أن يكون الحوثيون في بغداد. فالحوثيون بعد كل ما فعلوه ببلادهم وشعبهم قد تحولوا إلى عصابة خارجة عن القانون وفقدوا حقهم في المطالبة بالشراكة السياسية. لذلك فإن أي جهة تستقبلهم إ نما تغامر في التورط في جرائمهم وخيانتهم.

وإذا ما كان سياسيو العراق قد أعلنوا عن تحفظهم إزاء عاصفة الحزم فقد كان عليهم أن يلتزموا بذلك الموقف المتحفظ لا أن ينزلقوا إلى موقع يكونون فيه شركاء في الجريمة.

أما كان في إمكانهم أن يدرأوا الشبهات ليبقوا الباب الذي يطلون من خلاله على العالم العربي مواربا كما كان دائماً؟

أعتقد أن تقديرات أمراء الحرب الطائفية وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لا تضع في حسابها مستقبل عراق عربي موحد، بقدر ما تميل إلى استثمار كل فرصة من أجل الإعلان عن انتسابها للمشروع السياسي الإيراني، كما يفعل حسن نصرالله تماما.

بالزيارة الحوثية قطع سياسيو العراق شوطاً مهماً في محو هوية العراق العربية. العراق هو الخاسر.

كاتب عراقي

9