حول الأزمة بين اتحاد الشغل واتحاد الأعراف في تونس

الثلاثاء 2015/11/10

بعد مفاوضات طويلة ومضنية، نجحت الحكومة التونسية والاتحاد العام التونسي للشغل منذ شهر في إبرام اتفاق الزيادة في أجور موظفي القطاع العام لسنتين. وبعد ذلك وقع الإعلان عن فوز الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام والذي يضم الخصمين الاجتماعيين اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، أو ما يعرف اختصارا باتحاد الأعراف. ولكن جائزة نوبل للسلام لم تحجب الخلاف الكبير القائم بين المنظمتين إذ عجزتا عن الوصول لاتفاق حول الزيادة في أجور عمّال القطاع الخاص.

ونتيجة هذا الفشل في الاتفاق، ترتفع وتيرة التصريحات والتصريحات المضادة في حرب إعلامية بين قادة المنظمتين اللتين تتباعد الشقّة بينهما في قيمة الزيادة المقترحة التي يرى اتحاد الشغل أنها يجب ألا تقلّ عن 15 بالمئة بينما يرى اتحاد الأعراف أنها لا يجب أن تتجاوز 6 بالمئة.

وأمام عجز الحكومة التونسية عن التقريب بين وجهتي نظر المنظمتين، أقرت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقدة يوم الأحد الفارط بمدينة الحمامات جملة من التحركات الاحتجاجية والإضرابات الجهوية ستنطلق من جهة صفاقس في صورة فشل الجلسة التفاوضية القادمة مع منظمة الأعراف.

ويتمسّك اتحاد الشغل بنسبة الزيادة في أجور العمّال وموظفي القطاع الخاص المقدّرة بـ15 بالمئة بالنظر إلى ما تقوله هياكله التي أجرت ما يكفي من الدراسات للوضع الاجتماعي المتسم بالتوتّر نتيجة الارتفاع المطّرد للأسعار وبسبب تجاوز نسبة التضخّم 5 بالمئة. وهو ما يعني اهتراء الطبقة الوسطى وتهاويها إلى عتبة الفقر. ولقد قدّرت وزارة الشؤون الاجتماعية عدد الفقراء في تونس بحوالي مليون تونسي أي بنسبة 11 أو 12 بالمئة دون اعتبار الموظّفين والأجراء الذين صاروا من الفقراء بحكم عجز أجورهم عن تغطية نفقاتهم.

بينما يصر اتحاد الأعراف على أن الزيادة بنسبة 6 بالمئة هي أقصى ما يمكن أن يدفعه الأعراف لعمّالهم وموظّفيهم بسبب حالة الانكماش التي يعرفها الاقتصاد التونسي. ففي نشرتها الشهرية عن الوضع الصناعي في تونس، سجّلت وزارة الصناعة التونسية تراجعا في الاستثمار الصناعي بنسبة 2.9 بالمئة في سبتمبر 2015 وتراجعا في بعث المشاريع بنسبة 4.3 بالمئة مقارنة بنفس الشهر من سنة 2014. كما سجل قطاع الخدمات تراجعا بلغ نسبة 18.9 بالمئة.

ورغم هذه الأرقام السلبية فقد نجح قطاع الصناعات الغذائية في الترفيع في نسبة الصادرات بنسبة 5.4 بالمئة بفضل القفزة التي حققها والتي بلغت 2527 مليون دينار تونسي. كما أنقذ زيت الزيتون الميزان التجاري التونسي بعائدات وصفتها وزارة الفلاحة بالقياسية بلغت مليون دولار. ولكن يبقى قطاع الزيتون في تونس يعاني من مشاكل هيكلية متمثلة في بطء تعصير القطاع وفي عجز صغار الفلاحين عن سداد ديونهم للبنوك وفي انحسار اليد العاملة الفلاحية بسبب ضعف الأجور وغياب التغطية الاجتماعية ومشاكل العمل الموسمي.

كما أنّ مشكلة الاحتكار تسبب متاعب كبيرة للفلاحين الذين يقع التضييق عليهم أثناء توزيع منتوجاتهم فيضطرون إلى بيعها بأسعار بخسة ولكنها تصل إلى المستهلكين بأسعار مرتفعة فتذهب جهودهم وتعبهم سدى وفي المقابل تتضاعف أرباح المضاربين والسماسرة. مشكلة الاحتكار فجّرت غضب فلاحي التمور بالجنوب التونسي فأخذوا منتوجهم وألقوا به في الطريق العام احتجاجا على الاحتكار والمضاربة الظالمة في عرقهم.

أمّا قطاع السياحة الذي يضمّ حوالي 800 وحدة فندقية و200 ألف سرير فإنّه يوفّر 7 بالمئة من الناتج المحلي الخام، وهي نسبة ضعيفة بالقياس إلى الرهان الذي ما انفكّت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ عام 1987 تضعه على السياحة. كما انخفض عدد السيّاح بنسبة 25 بالمئة بعد اعتداءي باردو وسوسة في مارس ويونيو الماضيين.

ما يرفضه اتحاد الشغل هو أن يتم تحميل الأزمة الاقتصادية وفشل المناويل التنموية للشغالين وحدهم. وما لا يقرّ به اتحاد الصناعة والتجارة هو أنّ رجال الأعمال هم المحظوظون في كلّ عصر وهم الرابحون في كلّ الأحوال وهم المحصّنون من كلّ أزمة. ففي قطاع السياحة مثلا، اتخذت الحكومة التونسية إجراءات استثنائيّة لفائدته قوامها التعويضات لأصحاب النزل وتيسير معاملاتهم مع البنوك وإعادة جدولة ديونهم.

وما لا تعترف به الحكومة التونسية أنّ السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تونس هو استمرارها في تطبيق نفس الخيارات والسياسات والمناويل التي أوصلت تونس إلى الأفق المسدود ففجرت ثورة الشعب التونسي.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9