حول التغييرات في قيادة أركان الجيش السوري الحر

السبت 2014/03/01

يمكن اعتبار التغييرات الأخيرة في هيئة أركان الجيش السوري الحر خطوة في سياق الردًّ عسكريا على النظام في العاصمة دمشق، بعد التعنت الذي أبداه في جنيف، وهو ما استدعى تعيين العميد عبدالإله البشير ذي الخبرة في الجبهة الجنوبية رئيسا للأركان، وتعيين العقيد هيثم عفيسي نائبا له، وهو القيادي في جبهة ثوار سوريا التي شنت حربا على داعش مطلع هذه السنة، في إشارة إلى تخصص جبهة الشمال بمحاربة التطرف.

لكن هذه التغيرات كان من الممكن أن تمر دون إحداث زلزال في قوى الثورة المقاتلة، التي تقتضي المرحلة أن توحد وتنظم، لا أن تفرق وتشتت تحت أية ذريعة كانت.

تتخذ القرارات الجذرية عادة عندما تطرأ تغييرات جوهرية، ولا نعتقد أن هناك شيئا من هذا القبيل على صعيد الحالة السورية، فالإشارات الأميركية التي دأب المعارضون على اللهاث وراءها، هي اليوم في أدنى مستوياتها، ولا تعدو أن تكون تسريبات صحفية من تلك التي تستخدم بصورة روتينية في الدبلوماسية الأميركية كلما كان الهدف تمرير بعض الوقت على قضية ما، فالحديث عن تسليح أميركي نوعي للجيش الحرّ في الجنوب، تدحضه سلسلة من القرارات السابقة غير المنفذة، والوعود والتهديدات التي تراجع عنها الأميركيون بمبررات واهية، فما بالك بتسريبات صحفية لم تنسب لأي مصدر مسؤول؟ لقد جاءت التصريحات الأميركية ردا على الخديعة التي استدرجهم الروس إليها في جنيف 2 حين وعدوهم بالضغط على النظام للمضي في مشروع تشكيل هيئة حكم انتقالي، ولما كانت روسيا تعرف بدقّة كما النظام أن القرار الأميركي بعدم التدخل عسكريا في سوريا قاطع وحازم، فقد تصرفوا في المؤتمر باستخفاف، بل بفظاظة، وسخروا وهزؤوا من وزير الخارجية الأميركية كيري، وقام وليد المعلم بفعل “التشبيح” عليه علنا وأمام الكاميرات.

وهذا الردَّ الدبلوماسي الأميركي لا يستحق أن تبني قيادات المعارضة خططها على أساسه، ولا يجوز تبنيها كحقيقة ملموسة وناجزة، رغم وقوع حادثة صارخة بمدلولاتها، حدثت أثناء اتخاذ القرارات الأخيرة بالذات، فقد وضعت الإدارة الأميركية فيتو على شحنة صواريخ مضادة للطائرات من النوع المتوسط، أُرسلت إلى إحدى دول الجوار من دولة خليجية عقب التسريبات الأميركية، ومنعت تسليمها للثوار.

من ناحية أخرى، ترتكب قيادات الثورة خطأ كبيرا فيما لو توهمت أن معركة دمشق هي معركة لا تحتاج سوى بعض الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات، فمعركة دمشق هي في الحقيقة معركة موسكو وبكين وطهران، والولايات المتحدة الأميركية حين تتخذ قرار فتح هذه المعركة لن تسرب شائعات صحفية، بل سترسل أحد أساطيلها على الأقل إلى شواطئ المتوسط، وعلى عكس ذلك فإن جبهة الشمال هي الجبهة التي تستطيع المعارضة وقواها المسلحة أن تتصرف بها كما تشاء، وتحويلها اليوم إلى جبهة ثانوية، عنوانها الصراع مع التطرف، وتحويل المنطقة الشمالية إلى مستنقع للعنف والفوضى، هو أحد أهداف النظام ومن والاه على صعيد الإقليم والعالم.

على أننا لا نعتقد أن كل قادة المعارضة الذين يروجون لهذه الأفكار هم طيبون وسذّج ونظرهم قصير بحيث انطلت عليهم هذه الدعاية، فمن الواضح أن البعض استخدمها لتبرير قرارات بالعزل والإقصاء لمن يخالفهم الرأي أو يدين بالولاء لدولة غير التي يوالونها، وهو أمر لن يمرّ بسهولة كما نعتقد، فتلك الدول والجهات التي تدعم هذا وذاك، لابد أن تتحد قواها في النهاية لتطيح بمن يخيل إليه أنه انتصر اليوم، وهكذا تتوالى الانقلابات والتقلبات بين أطراف النزاع وأطراف المعارضة السورية، ويدفع ثمنها الشعب القابع قسريا تحت رحمة براميل النظام المتفجرة وصواريخه القاتلة، والتي تزداد شدتها ورغبتها الهستيرية باستعادة السيطرة على المناطق السورية المحررة، إذ أن الوقت الأفضل للتقدم هو اللحظة التي يعمل فيها مبدأ “فرق تسد” ذاتيا بين صفوف خصومه، خاصة بعد أن فقد تقريبا سلاحه الذهبي المتمثل في ادعائه محاربة الإرهاب.

ليس المقصود مما سلف تبرئة طرف أو اتهام طرف آخر، فمن تمَّ الانقلاب عليهم في هيئة الأركان هم لا غيرهم المسؤولون عن تفكك الكثير من كتائب الجيش الحر، وتآكل العديد من الجبهات، وسقوط بعض من أمنع حصون الثورة في فخّ الهدنة، ولربما كان جلبهم إلى المحاسبة بشفافية ومسؤولية ووفق الأصول القانونية، مدخلا أكثر ملائمة لتنحيتهم دون الوقوع في خسارات جديدة.

لقد أضاعت المعارضة السورية بتدنّي عتبة مقاومتها للتأثيرات الخارجية، والنوازع النرجسية للغالبية العظمى من أفرادها، الفرصة تلو الفرصة لحشد مختلف القوى وراء قضيتها، وهي اليوم تخسر ذاتها إذ تتحول إلى شراذم بلا ثقل، تتقاذفها رياح المتغيرات الدولية والإقليمية، بينما يزداد تمركز النظام وتصلبه، ويتقدم بخطوات محسوبة وواثقة نحو الاستحقاق المصيري والحاسم، والذي يتمثل في الانتخابات الرئاسية في منتصف العام وكيفية تجاوزها.


كاتب سوري

9