حول الثابت والمتحول في "مسألة" إسرائيل

الثلاثاء 2017/05/09

لو فكرت إسرائيل في تشييد تمثال لعربي فلن يكون إلا أنور السادات. بخطوة استعراضية أهداها ما لم تحلم به، ما فشلت في نيله بسلسلة حروب عدوانية، فاختصر عقودا تلزمها لتطبيع علاقاتها بالعالم. درست إسرائيل وأميركا سيكولوجية الرئيس العاشق للأضواء، فحفرتا عميقا في ضعفه القديم، ونجحتا في استخدامه لتحويل القضية إلى صراع فلسطيني/ إسرائيلي، بعد أن كان العالم من الصين والهند إلى أميركا الجنوبية مرورا بأفريقيا يراها قضية أخلاقية، ويعتبر تحريرها جزءا من نضال مستمر ضد رأسمالية استعمارية تستثمر في زرع إسرائيل، كدولة وظيفية ليست أقل من جيش هجومي محترف، راسخ وأكثر ضمانا من الرهان على أنظمة عميلة مرشحة للزوال في الثورات الشعبية، أما “الشعب” المستجلب من دول شتى، بدوافع دينية في الغالب، فهو غطاء بشري لا يثور، ويمنح القاعدة العسكرية الصهيونية قناعا إنسانيا، ولا يحمّل القوى الحامية “الكفيل” إلا تكلفة وجود حاملة طائرات في المياه الإقليمية الفلسطينية.

الثابت في مسألة إسرائيل أنها حادث سير تاريخي، جملة اعتراضية بين قوسين، يمكنك أن تضع إصبعك عليها وتواصل القراءة بلا لبس. لا علاقة للتفكير في استنباتها في فلسطين بجريمة هتلر، ويمكن تقصي تواطؤات صهيونية نازية، ويسهل إثبات علمانية الآباء المؤسسين الصهاينة منذ هرتزل، ومن غير اليهود أيضا.

الثابت أن بريطانيا لم تكن غافلة عن نهضة مصرية هددت مصالحها الاقتصادية في الشرق بصعود محمد علي، فتدخل وزير خارجيتها فيسكونت بالمرستون لدى السلطان العثماني لإبعاد مصر الصاعدة عن الشام، وافتتح بالقدس قنصلية بريطانية عام 1838، وشجع بالمرستون تدفق اليهود على فلسطين. وطلب في رسالة إلى القنصل البريطاني في القسطنطينية إقناع السلطان بأن الوجود اليهودي في فلسطين سوف يحبط “أي محاولة شريرة قد يقوم بها محمد علي في المستقبل لتهديد المصالح العثمانية”. في ذلك الوقت كان اليهود منخرطين في النسيج الاجتماعي والنشاط الاقتصادي الأوروبي، ولم تكن السياسة البريطانية الاستعمارية إشفاقا على يهود مضطهدين يريدون وطنا، ولا استجابة دينية لمطالبات بالعودة إلى أرض الميعاد، وإنما رغبة في القضاء على ندّ تخشى أن يقوض مصالحها في الشرق، فكانت معاهدة لندن (1840) المذلّة بشروط وضعت حدا أقصى لعدد جنود الجيش المصري، وفي العام نفسه اقترح بالمرستون مشروع دولة يهودية في فلسطين. وفي عام 1845 نشر مساعد لبالمرستون مقالا عنوانه “إقامة دولة يهودية في فلسطين تحت الحماية البريطانية” يطالب فيه بتبني الدولة المقترحة، ويتوقع أن تفيد السياسة البريطانية بالمحافظة على طرق الاتصال والإمداد بين مستعمرات الإمبراطورية. وهكذا لا يكون المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897 بعيدا عن استراتيجية استعمارية اتضحت أكثر مع وعد بلفور 1917. ولا تكون معاهدة لندن 1840 إلا دليلا إلى هزيمة يونيو 1967، لكسر محاولة الخروج من فلك الهيمنة الأميركية الراعي الجديد للمشروع الصهيوني.

هذه بعض ملامح الثوابت في مسألة إسرائيل، وهي حقائق يغفلها موقف مائع لمحمد البرادعي حين قابل في ملتقى أميركي (أبريل 2017) قاتلا محترفا اسمه إيهود باراك، وجاء الكلام في ذكرى النكبة كأنه خلاف داخلي، وليس صراع وجود بين طرف ضعيف خيّر بين التهجير والقتل، وجيش يغنيه السلاح عن الحوار، ولا يبالي بقرارات دولية لا تسقط بالتقادم. كما أغفل هذه الحقائق الأسبوع الماضي كتَـبَة ساداتيون مباركيّون، تعليقا على “وثيقة حماس” التي قبلت بدولة فلسطينية على حدود 1967، ففي “الأهرام” دعا أحدهم “الشعب الفلسطيني إلى كتابة اعتذار تاريخي للرئيس الراحل أنور السادات تحت عنوان “آسفين يا سادات”، فالوثيقة… أقل بكثير مما طرحه الرئيس السادات في إطار مبادرة السلام عام 1977”.

لا يدعم هذا التضليل إلا استغلال اليمين الديني للخطاب الإسلامي سياسيا، فسارع متولي الشعراوي وزير الأوقاف وشؤون الأزهر إلى رفع السادات إلى “مقام الذي لا يسأل عما يفعل”. وروج الكثيرون للآية القرآنية “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”، ولم يجنح العدو يوما للسلم. وجاءت وثيقة حماس (1 مايو 2017) لتوهم عميان السادات بأنهم مبصرون، وهم يلمسون ذيل فيل فيدّعون أنهم أحاطوا به، ولا يخجلون من دلالة استقالة ثلاثة وزراء للخارجية اعتراضا على السادات وتفريطه، آخرهم محمد إبراهيم كامل الذي كان السادات يعتبره ابنه، منذ اتهما معا في قضية اغتيال أمين عثمان وزير المالية عام 1946، لم يقرأ المغفّلون مذكرات إسماعيل فهمي وإبراهيم كامل، وهي كافية لتوجيه إصبع الاتهام بالخيانة، وأن السادات لم يعد الفلسطينيين بشيء، ولا استطاع التأثير على الوفد الإسرائيلي في المباحثات، حين رفض دخول فندق فلسطين بالإسكندرية، وكان “معدا للمباحثات لمجرد أنه يحمل اسم فلسطين. وفي المقابل أصر مناحيم بيغن، في ما بعد، على ضرورة عقد المباحثات الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني في القدس بوصفها عاصمة إسرائيل الأبدية”.

قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد مساء 17 سبتمبر 1978، قال بيغن إن كارتر بذل جهدا “فاق ما بذله أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرام”. ابتسم بيغن وضحك كارتر، أما السادات فصفّق وقهقه بشدة، غير مدرك قسوة الإهانة لبلاده، وفضح جهله، إذ يعرف أي دارس لعلوم المصريات أن الأهرام بنيت قبل بضعة قرون من قدوم النبي إبراهيم لمصر، في زيارة لا ذكر لها إلا في العهد القديم.

لم يقرأ الساداتيون معنى صدور وثيقة حماس من الدوحة، على مرمى حجر من “الجزيرة” التي تتجاهل تطبيعا سافرا مع صقور العدو، ومنهم بيريز بطل “عناقيد الغضب”. وكيف أن الوثيقة لا تلغي الميثاق الذي يبدأ بآية قرآنية تليها كلمة لحسن البنا، وأنها لا تشير إلى انفصال عـن تنظيم الإخـوان الذي ينتهج التقية. وسبق أن أقرت حماس بأن العمليات الجهادية “عدائية”، في اتفاق هدنة مع العدو تضمن إيقاف إسرائيل “جميع الأعمال العدائية على قطاع غزة برا وجوا… وأن توقف الفصائل الفلسطينية في القطاع جميع الأعمال العدائية من قطاع غزة تجاه إسرائيل برا وبحرا وجوا وتحت الأرض”.

الوقائع على الأرض، وإن كانت الآن في صالح العدو، فلا تجبرنا على التسليم بالأمر الواقع، تحت وطأة الواقعية، هذه وقائعية قصيرة النظر. ولكن المساحة المخصصة للمقال انتهت، ولم أصل بعد إلى الثابت والمتحول في قضية التطبيع، بمناسبة انعقاد “ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية” في رام الله (7- 11 مايو)، وقد استفز أصدقائي في فلسطين، ورأوه هدية لتبييض وجه السجان، لا كسرا لعزلة سجين يقول “أتحمل عدم مجيئكم لكي لا تصبحوا مهانين مثلنا”، على حد قولهم، والله أعلم.

روائي مصري

9