حول ضرورة إرساء الحوار في ليبيا

الخميس 2014/10/30

اتفق المفكرون، أو كادوا، على أنّ العلم وسيلة. فهو مرضاة الله سبحانه، وتعبيد للنفس، فتتعلّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن خلال هذا، تستطيع سبر غور الكون، وكلّ ما خلق الله الذي حث على ذلك بقوله “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. لست أنوي أو أقصد من هذا التفلسف حول العلم وفوائده وحاجة المرء له في دينه ودنياه، إنما تعرّضت له للتعريج على وضع ليبيا المؤلم، وسلوك بعض أبنائها المؤسف المحزن، ومقارنة الحاضر بالماضي غير البعيد.

عاصرت وعايشت وواكبت وسايرت آباء، أو حتى أجداد كثير من الناشطين العاملين الرّاقصين اليوم فوق ركح المسرح الليبي، ورأيتهم يبنون دولة عصرية، بعد عهد من الاحتلال الاستعماريّ الاستيطانيّ البغيض. يبنون ويشيّدون رغم الفقر الاقتصادي والعلميّ، إذ كانت ليبيا أفقر بلدان أفريقيا، ولم يكن بين الذين تولّوا الأمور، ولا بين مناصريهم ومؤيّديهم خريجات ولا خرّيجون، يحملون ألقابا رنانة، فلا هم دكاترة ولا مهندسون، بل وطنيون مخلصون. وطنيّون آمنوا وصمّموا فأسّسوا دولة من عدم، دولة سارت بخطى ثابتة وتبصّر، فاحتلّت مكانة بين الدّول، وأحرزت على ما هي أهل له من تقدير واحترام، وهكذا تركوها مطمئنّين لخلفهم حتّى يواصلوا المسيرة.

لكن، للأسف، لم يكن الخلف شبيه بالسّلف، فكان ما لا فائدة من التذكير به، إذ يعلمه القريب والبعيد، الخاصّ والعام، الصّديق والعدوّ، وعندما تحرّكت الهمم، وأريد التغيير واستئناف السّير، ساد الضّلال، وكثرت الأطماع، وانحنت الرّؤوس لغير الله والوطن، فانهارت البنى المشيّدة، ووقعت الرّواسي، فأصبح الوطن بمن فيه عرضة للسّاخر، ولقمة للطّامع، وجثّة للناهش.

لماذا؟ لأنّ الأبناء لم يتعقّلوا كآبائهم وأسلافهم، فيتركون ما اختلفت حوله الآراء، ولو لحين، وينكبّون على ما هو عاجل ملحّ، لوضع عجلة الوطن على السّبيل، وبعدها لكلّ مقام مقال. هكذا فعل الآخرون، مثل ما تحدّثت عنه في كتابي “أسبانيا من الدّكتاتوريّة إلى الدّيمقراطية-أمثولة وقدوة” فقلت متحدّثا عن منجزات رئيس الحكومة الذي أدار عمليّة التحوّل، وعن بقيّة السّياسيّين: “تحقّق كلّ ما سبق الوعد به، وأُنجز في وقت اعتبر قياسيّا، نظرا لضخامة الإنجاز وتشابك المعطيات، وقِدَم المشاكل وتعقّدها. لكن تركّز العمل على الحوار، ووُجِد في الحقيقة محاورون أكفاء، معتدلون، مستعدّون للتعاون، ولعظيم التنازلات، في سبيل تحقيق رغبة الجميع، وهي إرساء تعايش كان مفقودا، ولابدّ أن يكون داخل نظام ديمقراطي صرف.

لقد أظهر الزّعماء وكبار السّاسة من الحنكة والتّعقل والاتّزان، وأبدوا من حسن الاستعداد لتقديم أعظم التضحيات، شرط إقامة الدّولة المأمولة، دولة القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. دولة ديمقراطية حديثة، تمسح ما علق بالوطن، من ضغائن الماضي، ومن أحقاد التطاحن، ومن حساسيات التباين العقائدي. لقد قبِل اليمينيّ بأن يتعاون ويتآزر مع اليساريّ، وقبِل اليساريّ والجمهوريّ بأن يتعاون ويتآزر مع الملكيّ، ورضي بالنظام الملكي نفسه الذي وعد من جهته، بأن يكون نظاما ملكيا دستوريا”. بهذا ومثله بنيت أسبانيا المعاصرة وقفزت نحو الرّقيّ، اجتماعيا وثقافيا وسياسيّا واقتصاديا فاحتلت، خلال عقدين، مرتبة خامسة في قائمة البلدان الأوروبية المتقدّمة، -تختلف المرتبة باختلاف القطاع- بعد ما كانت في ذيل القائمة عالميا.

هل يعزّ هذا عن بنات وأبناء ليبيا، وهم بما عليه من علم وثقافة، وبحث عن التغيير؟ إنّي موقن عميق اليقين، أنّ ذلك في متناولهم، إذا هم تحلّوا بما يجب أمام المشاكل التي لا حلّ لها سوى المناظرة والحوار، وتبادل الآراء ومقابلتها. يحضرني في هذا الصّدد، بينما الكثيرون منّا يبحثون عن محاكاة السّلف، ما رواه الرّاغب الأصفهاني في كتابه “محاضرات الأدباء” قال: “اجتمع متكلّمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال على شرائط: ألاّ تغضب ولا تعجب ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلّمك، ولا تجعل الدّعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك، إلاّ جوزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتّعارف، وعلى أنّ كلاّ منّا يبغي مناظرته على أنّ الحقّ ضالته، والرّشد غايته”.

أليست هذه الشروط أساس وقاعدة كلّ حوار، وبحث عن الحقيقة عبر مقابلة الآراء؟ أليست “هي حريّة بأن تعتبر دستور المناقشة الصّحيحة”؟ أليست هي وسيلة لتطهير العقول، ممّا عسى أن ينقلب غشاوة على الأبصار؟ لأنّه، كما يعلم الجميع، قد يؤدّي الحسد بصاحبه إلى أن يجحد فضل ذوي الفضل، ثمّ إنّ الغضب والعجب والدّعوى والعناد، وجميع الأهواء، من شأنها أن تعمي وتصمّ، وهي، كما وصفها الغزالي، “آفات الجدل”. هكذا كان أسلافنا يتجادلون ويتحاورون ويتناظرون بحثا عن الحقائق والسّبل القويمة. هل يعسر هذا علينا، وعلى أبناء ليبيا، وهم في أشدّ الحاجة إليه؟ ألا يدّعون، أو يدّعي بعضهم، أنّهم يعملون لإرساء قيم الإسلام الصّحيحة؟ فليبدأوا باعتناق شروط الجدل والمناظرة، أو الحوار حسب التعبير المعاصر، حتى يهتدوا إلى السّراط السوي فينقذون ليبيا من بلاء يرصدها ويعيدون لها كرامتها، ويسيرون بها إلى خير غاية، وأنبل هدف فيكون النصر المشترك والهداية المثلى: “من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا”.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9