حول عودة أشهر برنامج تلفزيوني ساخر في بريطانيا

البرنامج استمر من عام 1984 وطوال عهد رئيسة الوزراء البريطانية مرغريت تاتشر التي نالها نصيب الأسد من السخرية بالطبع، وتوقّف البرنامج عام 1996.
الأربعاء 2019/10/09
دمى ساخرة تكشف سلبيات الواقع السياسي والاجتماعي

أعلن روجر لو أحد مصممي الدمى لأشهر برامج السخرية السياسية في التلفزيون البريطاني، أي برنامج “الصورة المشابهة” (Spitting Image)، أن هذا البرنامج سيعود إلى الحياة بعد 23 عاما من توقفه، وسيمارس دوره كبرنامج للسخرية السياسية لتنوير الرأي العام في فترة يشهد فيها العالم الكثير من الأزمات السياسية، خاصة في ظل صعود اليمين الشعبوي وبروز شخصيات ذات نزعات استبدادية واضحة في السياسة الدولية مثل فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.

روجر لو سيخرج من عزلته ويتخلى عن تقاعده بعد أن بلغ سن الثامنة والسبعين، ليصمّم الدمى التي تحاكي على نحو كاريكاتيري الكثير من الشخصيات المعاصرة مثل بوتين وترامب وبوريس جونسون وميغان ماركل وزوجها الأمير هاري، وغيرهم.

وكان البرنامج الأسبوعي يعتمد أساسا على الدمى التي كان يُصمّمها عدد كبير من الفنانين البريطانيين وكان ينتجه تلفزيون “التايمز” البريطاني في الثمانينات وصولا إلى ما بعد منتصف التسعينات. وقدّم البرنامج الكثير من الأشكال الكاريكاتيرية لمعظم الشخصيات السياسية البارزة في المجتمع، في الماضي والحاضر، بل ولمعظم الشخصيات الاجتماعية والفنية، أي ما يسمى بـ”نجوم المجتمع”، وكانت كل حلقة من حلقات البرنامج تتناول بالسخرية اللاذعة، موضوعا سياسيا مطروحا على الساحة، بحيث يصبح العرض أقرب ما يكون إلى المهزلة.

وبالتالي لم يكن هذا البرنامج يعرف قيودا أو حدودا، بل كان يتجاوز كل القيود ويتجرأ على النقد والسخرية إلى حدّ الهزء من كبار رجال السياسة. وقد استمر البرنامج من عام 1984 وطوال عهد رئيسة الوزراء البريطانية مرغريت تاتشر التي نالها نصيب الأسد من السخرية بالطبع من خلال دمية كاريكاتيرية تشبهها مع ممثلة كانت تقلّد طريقتها المميزة في الحديث، وتوقّف البرنامج عام 1996.

روجر لو يقول إنه يصعب عليه رسم صورة هزلية لشخصية ترامب، في حين أن صورته الحقيقية هي في حد ذاتها أكبر مهزلة
روجر لو يقول إنه يصعب عليه رسم صورة هزلية لشخصية ترامب، في حين أن صورته الحقيقية هي في حد ذاتها أكبر مهزلة

لم يتوقّف البرنامج نتيجة تدخل حكومي، فبريطانيا لا تعرف هذا النوع من الرقابة الحكومية المباشرة، ولم يكن السياسيون يضيقون بالبرنامج، ولم نسمع أو نقرأ أن أحدا من كبار رجال الدولة، بما فيهم قيادات الجيش، اعترضوا أو أقاموا دعاوى قانونية ضد البرنامج، وعندما كان يتم توجيه أسئلة إليهم بشأن صورهم الساخرة التي يعرضها البرنامج، كانوا يضحكون بل ويعتبرون أنه يقدّم لهم نوعا من الدعاية، ويبقي على صورتهم حية في أذهان الناس.

أما سبب توقف البرنامج فكان سببا ماديا في الأساس يعود إلى تكاليف إنتاجه الكبيرة، وأيضا بعد أن زعم المسؤولون الجدد عن شبكة تلفزيون “التايمز”، أنه لم يعد يحقّق نسبة مشاهدة عالية، وبالتالي تراجع كمصدر من مصادر الإعلانات التجارية.

الميلاد الثاني للبرنامج الساخر سيكون بتمويل من إحدى شبكات التلفزيون الأميركية. ولكن ستنتجه شركة بريطانية وتصوّره في بريطانيا، على أن يبث من الولايات المتحدة وبريطانيا معا للعالم كله. ولأن كتابة السيناريو ستكون في أميركا، ستصبح السياسة الأميركية والمجتمع الأميركي وقضاياه في بؤرة اهتمامات البرنامج الساخر دون أن يغيب عنه بالطبع الاهتمام بما يحدث من مفارقات في الشارع السياسي البريطاني.

والطريف أن المصمّم البريطاني يقول إن أكثر التحديات التي تواجهه في تصميم البرنامج الجديد وكتابة حلقاته التي يشترك فيها عدد من الكتاب الساخرين، أنه يصعب عليهم كثيرا رسم صورة هزلية لشخصية دونالد ترامب في حين أن صورته الحقيقية هي في حد ذاتها أكبر مهزلة!

بعد توقّف البرنامج في التسعينات، ظهر في فرنسا برنامج ساخر مشابه بعنوان “دمى الأخبار”، ظل يواجه الكثير من الاعتراضات من جانب الشخصيات السياسية الفرنسية، كما طالب الرئيس الفرنسي جاك شيراك في وقت ما، مع بعض السياسيين بوقفه، لكنه لم يتوقّف.

أما في الولايات المتحدة فكان برنامج جون ستيوارت “العرض اليومي مع جون ستيوارت”، هو الأكثر شهرة. وقد أوقفه مقدّمه الشهير بعد أن أعلن تقاعده. وكان يعتمد على الأداء الساخر مع استخدام الصور ومقتطفات الفيديو من أحاديث بعض الشخصيات العامة ووجودها في مواقف معينة، مع التقاط تفاصيل من الصور الفوتوغرافية أو من أحاديث وارتباكات السياسيين والزعماء، ووضعها في قالب يسخر منهم ومن مزاعمهم ويكشف الكثير من سلبيات الواقع السياسي والاجتماعي.

وعلى غرار هذا البرنامج ظهر برنامج “البرنامج” لباسم يوسف في مصر واستمر من مارس 2011 إلى يونيو 2014. أي أنه ظهر إلى الوجود بعد الثورة التي اجتاحت مصر ضد نظام الرئيس حسني مبارك، وتوقّف بعد انتخاب عبدالفتاح السيسي رئيسا لمصر مباشرة. فلم تعد “الحالة المصرية” تسمح بمثل هذا النوع من العروض التلفزيونية الساخرة.

وعادة المصريون يعتمدون على ما عرف عنهم من إطلاق النكات الساخرة في جلسات المقاهي، ونشر التعليقات المصحوبة بالكوميكس على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يبدو أنه يضايق النظام القائم حاليا الذي يسعى لمحاصرة تلك المواقع، رغم أن المبدأ المعروف في العالم السياسي يقول “افتح المجال للتنفيس عن المكبوت.. تضمن عدم وقوع الانفجار”، لكن من الذي يعي ويدرك؟!

16