حول مواريث الطغاة

الخميس 2013/10/03

شهدت العاصمة البريطانية خلال الشهرين الأخيرين بعض الندوات التي تتناول الربيع العربي، حاولت متابعة بعضها كلما وجدت هدنة من العارض المرضي الذي ألمّ بي. وفي إحدى هذه الندوات، استمعت إلى إحدى الناشطات الليبيات واسمها ماجدولين، كانت تعرضت في بعض مراحل الثورة لنوع من الاعتداء على شخصها خطفا أو ملاحقة، وجاءت تنشد الأمان في بريطانيا، وقالت في مداخلتها، أن هناك مشكلة تضعها على رأس المشاكل التي تعرقل الخروج من الأزمة في ليبيا، وهي وجود حالة من الإنكار لعدد كبير من أتباع القذافي، وأنه ما لم تصل الثورة في ليبيا، إلى الاعتراف بهذه الكتلة والوصول إلى تفاهم معها، فإن التأزم لن يعرف انفراجا.

ولم أكن جالسا على المنصة لأكون معنيا بالرد، كما لم أسمع أحدا يتصدى لنقاش أطروحتها، والحقيقة بدا لي كلام السيدة الفاضلة غريبا، وخرجت بعد انتهاء الندوة، أتساءل عما إذا كان ثمة حقائق تمنح كلامها مصداقية، فوجدت أنه كلام لا سند له في الواقع الليبي، بل الموجود هو عكس ما تقول الأخت، فهناك قطيعة مع الواقع لدى بعض جلاوزة القذافي وأعضاء أسرته، وهم قلة معصوبة العينين عن رؤية الواقع، لا تعترف بأن عهد قائدهم قد انقضى إلى الأبد، وهم بالتأكيد من يروج لهذا الكلام الذي جاءت الأخت تردده ببراءة في المنتدى اللندني.

وبداية أسألها، ما هو السجل التاريخي الجليل، أو المواقف الانسانية للطاغية، التي يمكن لعاقل أن يجد فيها سندا في ولائه للقذافي، خاصة أنه ظهرت مجموعة كبيرة من الكتب بأقلام عالمية محايدة، كشفت الغطاء عن أنواع من الجرائم والمجازر، التي لا وجود لنظائر لها في التاريخ البشري، إلى حد القول بأن القذافي لو كان حيا ونظر في مرايا جرائمه، لنفر من نفسه وذهب لدفنها في أقرب مكان، كما فعل بطل قصة دون غراي، وهو يرى الصورة التي انعكست فوقها جرائمه. ثم نأتي لنسمع اليوم صوتا يقول أن هناك موالين مخلصين لمثل هذا الخزي والعار، ويؤمنون بحقهم في الإشادة به وربما إعادة إنتاجه، فهل يفعل ذلك غير مريض نفسي يحتاج إلى علاج فوري؟

وبعيدا عن الجوانب الإجرامية والأخلاقية وتركيزا على السياسة، لعل الأخت ماجدولين تقول لنا، أو تنقل لنا ما يقوله خلصاء القذافي، كيف أدار معبودهم البلاد خلال عقود حكمه الأربعة، عندما كان لا يفعل شيئا إلا استقبال الحشود أمام قصره، تهتف «بالدم والروح نفديك يا..» ولابد أنها عاشت تحت تلك الحالة مثلي، وتعرف وأعرف أن تسعين بالمئة من الشعب الليبي، كانوا جزءا من مشهد الإهانة والاحتقار. ونعرف أن الإنسان تحت ما يسمى قوانين الخوف والإرغام والإرهاب، يقول كلاما لا يمكن لعاقل أن يصدقه، ويكفي مثلا واحدا عما هتف به مواطن يعيش في إحدى أكثر دول العالم ثراء، أثناء زحفه المريض نحو باب العزيزية «قررنا الحياة بالخبز والماء»، ونسأل لمن يجب أن تذهب ثروات الوطن إن لم تكن لإسعاد المواطن ورفع مستوى معيشته؟

هكذا هو الدكتاتور، وهو كلام لا يقتصر على الهتاف، فتقييم ليبيا في كل مراكز الرصد في العالم، هي أنها الأسوأ في خدمات الصحة والتعليم والمواصلات، والأسوأ في انتهاك حقوق الإنسان وحرية التعبير والحريات. ويضاف إلى هذا الإذلال سجل الجرائم والمجازر، معتمدا في حكمه على أكثر من عامل، في مقدمتها مصادر الطاقة النفطية التي أدارها لحسابه وسخرها للانتقام من أهل البلاد. والعامل الثاني تواطأ أطراف دولية، لا ترى غير ما تستطيع ابتزازه من هذا المعتوه، وما يملكه من جبال الذهب التي يحرم منها أهل البلاد ويمنحها رشوة وشراء ذمم إلى كل أفّاق زنيم.

لم يحضر كلانا العهد النازي في ألمانيا، ولكننا شاهدنا صور الحشود تملأ بملايينها الميادين، تهتف ملء حناجرها لحياة معتوه آخر اسمه أدولف هتلر، وهو ما تكرر بشكل حرفي في ليبيا مع معتوه ليبيا، الذي لا يقل سجله الإجرامي عن معتوه النازية، وتظهر في صورة الإثنين مع الجماهير، حالة تشبه عبدة الشيطان، وهي حالة تكررت مع طغاة كثر، وغالبا ما تم تفسيرها بأنها حالة مرضية جماعية، يستجيب لها الناس في حالة من الوعي المسلوب، كالمنوم مغناطسيا، لابد أن يعقبها عودة الوعي. فهل تساءل الألمان، بعد انهيار الرايخ الثالث، أن هناك إنكار لأتباع الطاغية، أم اعترفوا بالحالة التي عاشتها بلادهم تحت حكم الجنون والإجرام، وقاموا بإعادة تأهيل ومعالجة نفسية لإزالة التشوهات في العقول والنفوس، وإصدار قوانين التحريم والتجريم لمن يعيد إنتاج كلام الطاغية، وإقامة المحاكم لأهل الإجرام النازي صغارا وكبارا.


كاتب ليبي

9