حياة الحافة

الخميس 2016/02/11

كلما عرف أحدهم أنني أعيش مع شاعر في نفس البيت قال “كان الله في عونكما”. ومرة قال لي صديق وهو ناقد معروف “الحياة بين شاعرين، يا الله، إنها حياة شاقة”. أتفهم ردة الفعل هذه، فالحياة بين مبدعين أو شاعرين أو كاتبين، لا بد أن تكون صعبة حقا، كما يتوقع الجميع، وهو ما لن أحاول أن أنفيه هنا أو أؤكده، فالتاريخ مليء بنماذج وأمثلة لحياة مبدعين تحت سقف واحد، حيث غالبا ما يضطر أحدهما، أو كلاهما لتقديم تنازلات ضخمة تصل حد التخلي عن فكرة الظهور، كما في حالة الشاعرة السورية سنية صالح، زوجة الماغوط التي اكتشف النقاد مؤخرا، أي بعد وفاتها بسنوات، كم كانت شاعرة عظيمة، وكم غطى الماغوط، عن قصد أو غير قصد، عن تجربة شعرية مميّزة.

ثم هناك المبدعات اللاتي يخترن بإرادتهن أن يتخلين عن الإبداع الذي يصبح ساحة معركة وتنافس مع الزوج فيفضلن حياة عائلية هادئة من دون إبداع على حياة مهزوزة باستمرار، مليئة بالتطاحن والتنافس. رأيت بالصدفة نماذج غريبة من علاقات زوجية بين مبدعين، وسمعت بأذني شاعرا ومفكرا بارزا يتفاخر أمام زوجته بعشيقاته وحبيباته، وعلاقاته التي “يكفلها” له الإبداع. في حين ظلت الزوجة، التي كانت يوما ما كاتبة أيضا، تتظاهر بالانغماس في حديث جانبي مع إحدى الحاضرات. رأيت أيضا شاعرا يقف في وجه إبداع زوجته ويحاربه بكل ما أوتي من قوة، تأخذه الغيرة من كل كلمة تخطها، أو تنشرها أو تتلقى نقدا حولها، حتى انتهى الأمر بالانفصال بين الزوجين الشاعرين، في أول الأمر، ثم ضياع موهبتيهما معا في وقت لاحق.

أغرب ما في حياة شخصين مبدعين هو أنهما يختاران بعضهما بناء على فكرة الإبداع، التي سرعان ما تتحول لاحقا إلى أهم سبب للعراك والانفصال!

الأكيد أن الحياة بين مبدعين قلقة على الدوام، متطرفة في كل شيء، فهي إما صاخبة جدا أو هادئة جدا، حيث يعيش كل في عالمه ويلتقيان فقط من أجل ضروريات الحياة. غير أن ما يجعل الحياة بينهما صعبة أو شبه مستحيلة في أحيان كثيرة هو حاجة كل منهما إلى نفس القدر من الحرية، التي هي أساس كل إبداع، فكلنا نعرف أن لا إبداع من دون روح حرة طليقة تخوض غمار المجهول وتعايش التجارب الإنسانية على اختلافها وتحتك بالبشر وبالهامش. الحرية ليست مطلب المبدعين وحدهم بل هي مطلب كل إنسان، إلا أن المبدع تحديدا لا يستطيع أن ينتج عملا حقيقيا ذا قيمة فنية جادة من دونها.

قابلت أيضا كتابا قالوا إنهم فضلوا زوجة هادئة، بعيدة عن الإبداع، تفسح لهم المجال بالكامل، وتكون في خدمتهم وخدمة فكرهم، موظفة في رتبة زوجة، مهمتها رعايتهم. هذا خيار أيضا، مع ما قد يصاحبه من تحفظات حول قناعات الكاتب الذي يتبناه ونظرته للمرأة ولمكانتها.

أجمل نموذج، هو ذلك المتمثل في زوجين مبدعين يحترمان عمل كليهما، وهما قريبان في ما يفعلان ويفكران، يكاد الواحد منهما يكون مرآة الآخر، قارئه وناقده الأول والدافع له على الدوام نحو الأفضل. عرفت هؤلاء أيضا، وكم أحببت احتفاءهم بالحرية وقدرتهم على العيش وفق تصور حقيقي للحياة، يطبقونه في حياتهم وفكرهم على حد سواء، دون رياء أو ادعاء كاذب.

ورغم كل ما قيل ويقال عن حياة المبدعين في بيت واحد، ورغم قسوة بعض التجارب التي انتهت بانتحار سيلفيا بلاث مثلا، بعد معاناة قاسية مع زوجها الشاعر الإنكليزي تيد هيوز، إلا أنها تبقى حياة ممتعة مشوقة على الدوام لأنها حياة الحافة، حيث لا رجوع ولا سقوط.

21