حياة الكاتب الشخصية في أدبه حقيقة منكرة

التجارب التي يعرضها الأديب باعتبارها جزءا من حياته الشخصية عادة ما تكون تجارب إنسانية عامة، تمس أكبر قدر من القراء، أو النماذج المعايشة للتجربة.
السبت 2018/03/10
الكاتب يطل دائما من خلف صفحاته (لوحة للفنان أحمد قليج)

يحاول كل أديب أن يعبّر بصدق عن عالمه الروائي، فيلجأ إلى مزج البعض من سيرته الذاتية في ثنايا العمل الأدبي، ولذلك قرأنا كتبا مثل الأيام لطه حسين، وزهرة العمر لتوفيق الحكيم، وحصاد السنين لزكي نجيب محمود، وقصتي مع الشعر لنزار قباني، والخبز الحافي لمحمد شكري، وغيرها العديد من الأعمال التي امتزجت فيها سيرة المؤلف بكتابته.

عدسة كاشفة

“قد تكون التجارب الشخصية عدسة كاشفة، يختبر المبدع على أساسها كل ما يحدث في العالم”، هذا ما يقوله الناقد إبراهيم فتحي، ويضيف “هذا النمط من الكتابة يتعلّق بالتداخل بين الرواية والسيرة الذاتية، فالروائي لا يصوّر كل تفاصيل حياته الشخصية، وإنما يقدّم التجارب الحاسمة، ذات الدلالة التي تسلّط ضوءا كاشفا على الآخرين، وهذا لا يُعتبر نقصا أو شعورا بالعظمة، وإنما هو حرفية في الكتابة.

الكثير من الكتاب يمزجون عوالمهم السردية وشخصياتهم من ذواتهم، ويصبغونها بها، وهو ما يحبذه البعض لجعل العمل الأدبي أكثر صدقا وحميمية، وما يتعامل معه آخرون باحتراز باعتباره يمثل حالة خطرة قد تؤدي إلى الفراغ عند الكاتب. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل أن لجوء الأديب إلى توظيف حياته في كتاباته يدل على قحط الفكر ونضوبه، أم على عمق الصدق في الكتابة ونقل جزء من الحقيقة؟ وهو ما يجيب عنه عدد من الكتاب في هذا التحقيق.

 

الكثير من الكتاب يمزجون عوالمهم السردية وشخصياتهم من ذواتهم، ويصبغونها بها، وهو ما يحبذه البعض لجعل العمل الأدبي أكثر صدقا وحميمية، وما يتعامل معه آخرون باحتراز باعتباره يمثل حالة خطرة قد تؤدي إلى الفراغ عند الكاتب. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل أن لجوء الأديب إلى توظيف حياته في كتاباته يدل على قحط الفكر ونضوبه، أم على عمق الصدق في الكتابة ونقل جزء من الحقيقة؟ وهو ما يجيب عنه عدد من الكتاب في هذا التحقيق.

ويرى فتحي أنه من الصعب القول إن الذات أو ضمير المتكلم مطابق للمؤلف، فهناك نقاط تلاق واختراق، ويقول حول هذا الصدد “تظل عناصر السيرة الذاتية ذات جدوى في تصوير العالم الروائي، باعتباره تجربة ذات ألفة وحميمية، وتمتلك آليات الانطباع الثوري، لذلك أؤكد على كونها عدسة كاشفة، ومن الممكن أن يسيء المؤلف استخدامها، كأن يركّز على أشياء ثانوية وعلى تفاصيل تافهة بلا دلالة”.

خلاصة تجارب

أما القاص سعيد الكفراوي فيؤكد أن وجود الأديب أو الروائي في متن كتاباته أمر طبيعي، ولا يمثّل نقصا في حرفية الكاتب أو شعورا بالعظمة، بل على العكس هو يحاول أن يصنع ذلك الجسر الحميمي بين عالمه الخاص كإنسان، وبين عوالم معظم الناس، لذلك فالتجارب التي يعرضها الأديب باعتبارها جزءا من حياته الشخصية عادة ما تكون تجارب إنسانية عامة، تمس أكبر قدر من القراء، أو النماذج المعايشة للتجربة.

ويشير الكفراوي إلى أن عالم الروائي في حد ذاته من أغنى العوالم، وبالتالي من حق الكاتب أن يستغل هذا الثراء وأن يوظّفه لصالحه، أو على الأقل يكشفه للقراء بصيغة أدبية تجعل التجربة برمتها تعنيهم.

 ويقول “لا يمكننا أن نعتبر خوض المبدع في عالمه الخاص وإفرازه بشكل آخر على الورق نوعا من النقص أو الشعور بالعظمة، فالأديب إنسان يعيش في المجتمع يؤثر ويتأثر، وإن لم يكتب مفرداته أولا ويقنع الناس بأحقية هذه المفردات في الكتابة، إن لم يفعل ذلك فلن يستطيع الوصول إلى القراء عن طريق عالم وهمي، أو مجرد خيال أي إنسان قادر على ابتكاره”.

ويؤكد الكاتب في هذا الإطار أنه لا يمكننا أن نعتبر كتابات نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم أو يحيى حقي نوعا من التعالي، وإنما هي الواقع الحقيقي، الهم المباشر الذي يتعرّض له الأدب، ومن حقه أن يعيد إفرازه بالشكل الذي يراه ملائما، باعتباره جزءا من تجربته في الكتابة وفي الواقع، لأن الفصل بين هذين العنصرين يؤدي إلى قطيعة أدبية، الأديب نفسه في غنى عنها.

من جانبها، تعتبر الروائية سلوى بكر أن وجود الأديب بين سطور روايته هو نوع من الثراء الذي يحسد عليه، وهي لا تقصد بذلك ثراء التفاصيل، بل الثراء الناتج عن التقاء عالم الروائي بأرض الواقع، مما يتيح مساحة أكبر لتحرّك الروائي يستغلها في وضع أرضية ملائمة لمناقشة عذابات الآخر من خلال عذاباته هو، لكن مع ذلك ترى بكر أن ذلك الأمر في منتهى الخطورة لما يتطلبه من حساسية الكتابة، لأن أي دخول غير محسوب في هذه المنطقة يؤدي إلى كشف أوراق الكاتب، بشكل يؤكد أمام القارئ أن التجربة شبه فارغة وغير معبّرة عنه، فضلا عن أنها غير معبّرة عن الكاتب نفسه.

الروائي لا يصور كل تفاصيل حياته الشخصية، وإنما يقدم التجارب الحاسمة، ذات الدلالة التي تسلط الضوء على الآخرين

وتضيف الروائية “هناك أمر يجب ألا نتجاهله أثناء قراءة الأديب في إحدى رواياته، وهو أنه جزء من الواقع يؤثر ويتأثر به، ومن ثم لا يجب أن يتخلى عن هذا الواقع أو يتخلى عن نفسه وحياته، باعتباره جزءا مشاركا في منظومة الحياة”، معتبرة أنه من خلال هذه الصيغة يخرج علينا الكاتب بخلاصة تجربته ممتزجة بتجارب آخرين، ربما يعيد صياغة بعض النقاط فيها، إلا أنه يظل ملامسا للواقع الذي يعيش فيه، ويظل محافظا على تقنيات الكتابة، بحيث لا يطغى جانب الإعجاب بالمفردات الخاصة على جانب الكتابة، أو تقنية الرواية، “وهذا ما حقّقه كتاب كثيرون بمهارة فائقة” على حد قولها.

حياة أخرى

في رأي الناقد المصري مجدي توفيق، هناك عوامل كثيرة تدفع الكاتب ليكون أحد شخوص روايته منها: الحيوية، والتأثر، والرؤية الخاصة للحياة. ويتابع “لكن هذا لا يمنع أن تكون كتابة الروائي التي تدخل تحت هذا المسمى صادقة، ومعبّرة عن حياة عامة، مهما كان حيز الخصوصية المغلف للتجربة، ومن ثم لا أحد يستطيع أن ينكر على الروائي استخدامه لأي قيمة، أو يدفعه لتحجيم أدواته، حتى لو لم يكتب غير مفردات حياته فقط، فلا شك أن مفردات حياة إنسان كافية لطرح تجربة هائلة أمام القارئ، فما الحال إذا كان هذا الإنسان مبدعا وأديبا، وصريحا لدرجة لا تمنعه من كتابة أي شيء عن حياته”.

ويضيف توفيق “الكاتب عندما يحكي عن نفسه في الرواية، ويتطرّق لمفرداته الخاصة، لا يعدم أن يستخدم بعض الخيال، أو بعض التفاصيل الوهمية، وربما تكون هذه التفاصيل هي المتن الحقيقي للرواية، ولجأ إلى طرحها من خلال شخصيته كروائي ليعطيها المصداقية الكافية، وبالتالي لا يصبح لدينا روائي يكتب مفرداته أو سيرته الذاتية على الورق، وإنما حياة أخرى يطرحها الروائي من خلال حياته هو”.

ويؤكد الناقد أنه إذا كان هذا النمط من الكتابة يمثّل فضاء واسعا يمنح الأديب المزيد من الحيوية والثراء في عالمه الروائي، فلا أحد يستطيع أن يعترض عليه أو يحجم استخدام الأديب لهذا النمط، إلا أنه يجب مراعاة العمل الروائي كنوع أدبي، وحتى إذا عبّر الروائي أو الكاتب في هذا العمل عن نفسه، فهذا لا يعني أنه هو نفس الروائي كاتب العمل، ربما يكون شخصية وهمية من ابتكار الكاتب نفسه، وهذا هو الغالب.

13