حياة المهمشين.. أرض خصبة لنجاح الأفلام المصرية عالميا

حصد الوجوه المغمورة للجوائز يُثبت أن الفن رسالة وليس أموالا ونجوما.
الجمعة 2021/07/30
زهد الإنتاج لا يتعارض مع الأفكار العميقة

تواصل بعض الأفلام المصرية غير التجارية حصد الجوائز في المهرجانات العالمية، على الرغم من اعتمادها على وجوه جديدة تقف للمرة الأولى أمام الكاميرا، لترسّخ مقولة مفادها بأن “السينما لا تعترف بالأسماء أو الشهرة.. لكن الأداء والمصداقية والتلقائية”.

القاهرة – تُثبت الأعمال السينمائية المصرية الفائزة مؤخرا بجوائز عالمية أن التمثيل يحتاج إلى إيمان عميق بالفكرة والتعبير الصادق عنها، ولم يكن يوما حكرا على الأسماء الكبيرة أو قسرا على ورش التمثيل.

وتُعيد الأعمال المتوّجة إلى الأذهان زخم جيل الرواد الذي غاب في خضم سيطرة الإنتاج الترفيهي وفرض أسماء بعينها ليعود قطاع من المخرجين للبحث عن الوجوه في الشوارع والنوادي والقرى والنجوع، وينقبون عن ملامح تناسب الشخصيات المرسومة في السيناريو، وهم على يقين بأن التمثيل يعتمد على الأداء التلقائي السلس في المقام الأول.

مراد مصطفى: تسعون في المئة من فريق "ما لا نعرفه عن مريم" لم يتلقوا أجرا
مراد مصطفى: تسعون في المئة من فريق "ما لا نعرفه عن مريم" لم يتلقوا أجرا

نقد ساخر

شهدت الدورة الرابعة والسبعون لمهرجان كان السينمائي الدولي فوز فيلم “ريش” للمخرج المصري عمر الزهيري بالجائزة الكبرى في مسابقة أسبوع النقاد الدولي، رغم اعتماده على أشخاص عاديين من أبناء إحدى قرى مركز ملوي بالمنيا في جنوب مصر في التمثيل دون أي وجود لفنانين محترفين ولو كضيوف الشرف.

ويتناول الفيلم الروائي الطويل الأول للزهيري قضية المرأة المعيلة بشكل يمزج الواقع بالخيال عبر قصة “أب” زهيد الحال يستعين بساحر في احتفال بعيد ميلاد ابنه الأكبر، وفي إحدى الفقرات يدخل صندوقا خشبيا فيحوّله الساحر إلى دجاجة ويفشل في إعادته إلى حالته الطبيعية بعد عدة محاولات.

وينتهج العمل النقد الساخر للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية وأوضاع المرأة الخاملة التي تضطرها الظروف إلى إعالة أسرتها، واختار الدجاجة بالذات كطائر ضعيف يحتاج لمن يطعمه ويحميه في إسقاط على اتكالية قطاع من الرجال على زوجاتهم في الإنفاق على متطلبات الأسرة.

واختار المخرج أبطاله في أثناء حضوره بانوراما قرية البرشا بمركز ملوي ضمن مبادرة حكومية لنشر مسرح الشارع وقضايا المرأة والطفل، لتقع أنظاره على دميانة حنا (39 عاما)، وهي ربة منزل، وفادي فوزي (8 سنوات)، وأبوسيفين ويصا (5 سنوات)، للمشاركة في الفيلم الذي استمر تصويره في حي حلوان بجنوب القاهرة ثلاثة أشهر.

ونجح فريق التمثيل المبتدئ في خطف الأنظار بإيمانهم العميق بالفكرة فكانت وجوههم معبرة عن المشاعر المتضاربة بين الأمان والخوف والسعادة والحزن والقلق من المستقبل، وتماشت تماما مع فقدان أسرة متوسطة العدد لمصدر دخلها الوحيد.

وينطبق الأمر ذاته على فيلم “ما لا نعرفه عن مريم” للمخرج مراد مصطفى، الذي حقّق صدى كبيرا بين الجمهور والنقاد بعدما شارك في أكثر من عشرة مهرجانات سينمائية تكلّلت بالعديد من الجوائز بينها البرونزية لأفضل فيلم قصير من مهرجان برشلونة السينمائي الدولي، وجائزة النقاد من مهرجان ليالي البحر المتوسط السينمائي الدولي بفرنسا.

وتدور أحداث الفيلم داخل أحد المستشفيات الحكومية عن تعرّض بطلته “مريم” لآلام في الجهاز الهضمي لتكشف من خلال رحلة علاجها أسرارا خفية في حياة الأسرة، وتتّضح معالم هشاشة العلاقات بين الزوجين، مع واقع يومي يمكن تعميمه على الأسباب النفسية لتنامي الطلاق في مصر.

واستوحى المخرج مراد مصطفى فكرة الفيلم من خلاف حقيقي بين زوجين رصده بعينيه في أثناء تواجده صدفة بأحد المستشفيات الحكومية، والتي قام فيها بالتصوير الواقعي داخلها على مدار يومين، لتصبح الحركة التي لا تهدأ داخلها من تنقلات المرضى وضجيج آلامهم وزحامهم هي الخلفية المُصوّرة والصوتية لغالبية الأحداث.

وما يميّز الأفلام منخفضة التكاليف هو الإيمان العميق بالفكرة والزهد المالي للمشاركين الذين يتعاملون مع العمل كمشروع يحتاج إلى بذل مجهود مضاعف قبل البحث عن العائد، فنحو تسعين في المئة من فريق “ما لا نعرفه عن مريم” لم يتلقوا أجرا.

بين "ريش" و"ما لا نعرفه عن مريم" ارتباط وثيق في الاعتماد على وجوه تخوض تجاربها الأولى في التمثيل
بين "ريش" و"ما لا نعرفه عن مريم" ارتباط وثيق في الاعتماد على وجوه تخوض تجاربها الأولى في التمثيل

ويقول المخرج إن مساهمتهم جاءت كمساعدة منهم في توفير المعدات المستخدمة في التصوير وسعيا وراء تحقيق هدف أسمى بالوصول إلى منصات التكريم والشهرة.

ويوجد ارتباط وثيق بين “ريش” و”ما لا نعرفه عن مريم” في الاعتماد على ممثلين يخوضون تجاربهم الأولى، فالاختيار فيهما نبع من مدى اتساق الدور مع ملامح الممثل في
مغامرة تعتمد كثيرا على صبر مخرج العمل وتجارب التصوير أو  "البروفات” التي يحاول فيها تطوير طريقة الأداء.

ونقل المخرج أبوبكر شوقي التمثيل في فيلم “يوم الدين” الذي فاز من قبل بجائزة في مهرجان كان أيضا إلى مستوى غير مسبوق بالاعتماد في بطولته على مريض متعافي من الجزام، وطفل من أصول نوبية، وممثل دون ساقين، وجميعهم من المبتدئين لرصد الواقع الاجتماعي للمهمشين فكانت ملامحهم وحدها كفيلة بتوصيل الرسالة التي يحملها الفيلم.

وتمتاز أفلام المهرجانات بمعايير مختلفة في الديكور والتصوير، ولا تبحث عن الجمال بمفهومه الدارج، مثل الأعمال التقليدية عبر ممثلات حسناوات وشواطئ فاقعة الزرقة والصفاء وتجمعات سكنية مُظللة بالخضرة.

وتعدّ الصورة الطبيعية في هذه النوعية من الأفلام هي الأساس وأحد الأبطال المجهولين حتى لو اتصفت بالقبح والدمامة أحيانا، فلا خجل من تصوير الحوائط المتهالكة والشوارع المشبعة بمياه الصرف الصحي والعشش المتراصة فوق أسطح العقارات القديمة.

وفي فيلم “ستاشر” للمخرج المصري سامح علاء الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان العام الماضي، تتجسّد التراجيديا الإنسانية بقصة استطاع أبطالها من المغمورين توصيلها عن فتاة تحبسها أسرتها لمدة شهرين في منزلها، ورحلة حبيبها مرتديا النقاب في شوارع القاهرة متخليا عن اعتداد الرجال بذكورتهم لإطفاء مشاعر الاشتياق، وينتهي بفاجعة انتحار البطلة.

فرصة للموهوبين

فيلم "ما لا نعرفه عن مريم" يسرد هشاشة العلاقات الأسرية في مجتمع ذكوري
فيلم "ما لا نعرفه عن مريم" يسرد هشاشة العلاقات الأسرية في مجتمع ذكوري

أكّد الناقد السينمائي طارق الشناوي أن أفلام المهرجانات تمنح الفرصة دائما للممثلين الصغار سنا وشهرة ليصبحوا معروفين بعدها، مثل الفنانة دينا ماهر التي بدأت تجاربها في فيلم “الخروج للنهار” الذي حصد أكثر من جائزة في المهرجانات التي عرض فيها لتنجح بعدها في الدراما خاصة مسلسل “100 وش” وتصبح من الوجوه التي يطلبها المخرجون كثيرا.

وأضاف الشناوي لـ”العرب” أن نجاح الأفلام غير التجارية ربما يكون وازعا نحو ضخّ دماء جديدة في السينما والدراما، ومنح الموهوبين فرصة للظهور ورفع المستوى التمثيلي بشكل عام عبر المنافسة بين الأجيال الجديدة والقديمة بما ينعكس إيجابيا على القطاع الفني.

وتتّسم الأعمال غير التجارية بالرؤية الإبداعية المغايرة وسيطرة فكرة التعاطف مع الفقراء وما يكابدونه من عناء يومي في الحياة، وهي سمة محببة للجمهور الغربي الذي يرى في السينما مرآة معبّرة عن عوالم الطبقات المنكشفة اجتماعيا بمنظور مغاير، أو بمعنى آخر صورة حقيقية لواقع غير موجود في مجتمعاتهم.

16