حياة بين الرفوف

لعل منعرجات هذه المتاهة وعتماتها هي التي تجعل المكتبة غير بعيدة عن الأدب، حيث يشكّل فضاؤها موضوعا مغريا لكثير من الأعمال الروائية الشهيرة وغيرها من النصوص الأدبية.
السبت 2018/03/10
بين رفوف الحياة

قبل أكثر من عشرين سنة، كان عليّ أن أشتغل بمكتبة مدرسة علوم الإعلام فور انتهائي من الدراسة بالمؤسسة. وإذا كنت قد اخترت مسار التكوين بحبّ كبير وبكثير من الحماس، هاربا أيضا من شبح البطالة الذي كان ينتظر خرّيجي الجامعة، غير أنني سأبحث في أول فرصة عن منفذ للهروب من عملي كمكتبيّ لألتحق بعد شهور فقط بهيئة تحرير المجلة العلمية التي تصدرها المؤسسة، بعد أن ضقت بالعمل المكتبيّ، وبعد أن انتبهت أيضا إلى أن خدمة المهنة يمكن أن تتم أيضا عبر البحث وليس بالضرورة عبر الحياة بين رفوفها.

آخرون أحبّوا مهنة المكتبيّ وظلوا أوفياء لها. إنهم هؤلاء الجنود الذين يقضون حياتهم بين الرفوف من أجل خدمة الآخرين. أمناء المعرفة الذين يجعلون من أيّ قارئ ملكا يجب خدمته، كما توصي بذلك أدبيات علم المكتبات.

طيلة قرون، عرفت المهنة تحوّلات متسارعة فرضتها تغيّرات عادات القراء وفيضان تدفق المعارف وتزايد الإنتاج الثقافي والفكري ودخول الإنترنت ومعه الكتاب الإلكتروني على الخط. ولذلك كان عاديّا أن تنتقل وظيفة المكتبيّ من مهمة الحرص على الحفاظ على المخطوطات والكتب ليصل ذلك أحيانا إلى درجة ربطها بالأغلال، كما كان يتمّ في عدد من المكتبات الكبرى؛ إلى مهمة توفير المعلومات للقارئ بمختلف أشكالها ووسائطها انسجاما مع مسار دمقرطة المعرفة.

وخلال كل هذه اللحظات، كان هناك مهنيون وباحثون يفكرون في تسهيل وتطوير عمل المكتبيّ. ولعل أشهرهم الأميركي ميلفيل ديوي، حيث أمضى الرجل جزءا من حياته في التفكير في صيغة علمية لتصنيف الكتب التي كانت تغرق المكتبات ليستطيع إطلاق تصنيفه الشهير المعروف باسمه، والذي استطاع أن يحتوي مختلف المعارف الإنسانية بطريقة مذهلة. حيث قسّم المعارف إلى عشرة أقسام، تتوزع بدورها على فروع لا تنتهي، ناسجا بذلك ما يشبه المتاهة التي سيتحدث عنها في ما بعد خورخي لويس بورخيس.

ولعل منعرجات هذه المتاهة وعتماتها هي التي تجعل المكتبة غير بعيدة عن الأدب، حيث يشكّل فضاؤها موضوعا مغريا لكثير من الأعمال الروائية الشهيرة وغيرها من النصوص الأدبية، من “محافظ الظلال” لتيري هومون، إلى “كتاب الرمل” لبورخيس، إلى “اسم الوردة” لأمبرتو إيكو. وهو ما يعدّ في نفس الوقت طريقة لردّ الاعتبار للمكتبيّ الذي مازالت لم تُنصفه بعد المخيلة الشعبية.

 كان ابن النديم سبّاقا إلى وضع جانب من علم الكتاب والمكتبات عبر فهرسته الشهير والذي سيشكل أحد أسس العلم على المستوى الكوني. أما الأمر المفارق فهو أن تكتفي الآن الثقافة العربية، التي أنتجت عملا بهذه القيمة، بترجمة ما يصدره الغرب في المجال. كما لو أن إبداعها توقف عند لحظة ابن النديم.

15