حياة دون باغيت وجبن ونبيذ ليست بفرنسية

الحكومة الفرنسية استثنت المخابز من حملة الإغلاق التي شنتها على بقية المحلات والمدارس، وتركت لأصحاب هذه المخابز حرية اختيار الأيام التي يرغبون في العمل فيها.
الجمعة 2020/03/27
الخبز الطازج يتحدى الحجر الصحي

يواجه الفرنسيون تحديا كبيرا خلال الحجر الصحي المفروض على أغلب دول العالم بسبب تفشي فايروس كورونا المستجد، يتمثل في التضحية بعدم شراء خبز الباغيت طازجا.

جون ليسستر

باريس – لم يعد خبز الباغيت مجرد سلعة غذائية أساسية، فقد أصبح الرغيف الشهير، والطقوس الفرنسية اليومية لشرائه محملة باعتبارات أخلاقية ومدنية وصحّية عامة لم يكن من الممكن تخيلها قبل أن يقلب فايروس كورونا الحياة رأسا على عقب.

وتقول بيكر مارغوت هازارد، إنها وزوجها سيريل يشعران بأنهما يقدمان مع الخبز والكعك حياة طبيعية للزبائن الذين يصطفون خارج المحل ويحترمون اللافتة المكتوبة على النافذة بخط اليد “ثلاثة أشخاص كحد أقصى داخل المخبز”. وأضافت هازارد أن “العمل صعب في الوقت الحالي. يشعر بعض الزبائن بالقلق لأننا نلمس خبزهم ونلمس نقودهم. كلنا نقف على حافة الهاوية”.

وتابعت “الخبز مهم للغاية بالنسبة إلى معنويات الجميع. من المهم أن يأكل الناس ما يريدون تناوله، للحفاظ على معنوياتهم مرتفعة.. إن الحياة دون خبز وجبن ونبيذ ليست فرنسية”.

لكن في مدينة ساناري سور مير الواقعة على البحر المتوسط ، يكلّفُ شراءُ خبزِ باغيت طازجٍ صاحبَه دفْع غرامة للشرطة قدرها 135 يورو، حيث منع رئيس البلدية الناس من الخروج أثناء الحجر الصحي بحجة شراء الخبز الفرنسي طازجا لإبقائهم في منازلهم.

وأوضح رئيس البلدية، فرديناند بيرنارد، أنه لا ينبغي على الناس استغلال شراء الخبز كعذر للخروج كل يوم.

وأضاف “أي شخص يُقبض عليه وهو يخرج من مخبز وبيده رغيف واحد فقط سيتم تغريمه. هذا ليس الوقت المناسب لأمزجة الناس.الأولوية الآن هي عدم انتشار المرض. يمكنك تجميد الخبز، ويمكنك حتى العيش دونه. إنها ليست تضحية. إنه تكيف على الوضع الجديد”.

ويعتبر عدم شراء الخبز الفرنسي الطازج تضحية صغيرة في هذه الحقبة الجديدة حيث يُطلب تقديم الكثير من التضحيات أبرزها الالتزام بالحجر الصحي في المنازل، وفي ذلك تضامن مع الأطباء والممرضين الذين يكافحون لإنقاذ الأرواح في غرف الطوارئ المجهدة.

وبالنسبة إلى البعض أصبح البقاء في البيت أمرا بالغ الأهمية حفاظا على الصحة أكثر من الخروج بشكل يومي لشراء الخبز.

العيش دون خبز.. تكيّف على الوضع الجديد
العيش دون خبز.. تكيّف على الوضع الجديد

وفي محاولة لتوجيه مسار الناس بين حبهم للخبز ومحاربتهم للفايروس، يشتري بعض الفرنسيين الآن خبز الباغيت بكميات كبيرة ويقومون بتجميده.

وقال يفيس لاغريليت (أحد المتسوقين)، الذي بدأ في شراء كمية من الخبز تكفيه لأسبوع، إنه “أمر لا غنى عنه؛ تحتاج إلى الخبز لأكل طعامك به، حيث يضفي على الطعام بعض المذاق”. وأشار إلى أنه في العادة يشتري رغيفا واحدا يوميا لكنه صار مضطرّا إلى شراء خمسة أرغفة دفعة واحدة للاحتفاظ بها في الثلاجة واستهلاكها في أوقات متفرقة بدل الخروج كل يوم.

وذلك لم يكن مقبولا في الأوقات العادية، لكن عملية إزالة التجميد وإعادة التسخين هي الآن تسوية براغماتية وعقلية مدنية واعية بالصحة، وهي أفضل من عدم وجود الرغيف الفرنسي على الإطلاق.

وتعود علاقة الفرنسيين بالباغيت إلى حوالي 120 عاما، وهو تاريخ خبز أول رغيف أطلقت عليه تسمية باغيت في باريس. ويستهلك الملايين من الفرنسيين المليارات من الأرغفة كل عام، حيث يقطعون الخبز إلى قطع صغيرة يتناولونها ضمن ما يقدّم لهم في أطباقهم.

وتُسهل القشرة الخارجية المقرمشة للخبز الإمساك به، كما أن قوامه الاسفنجي الداخلي جيد جدا في امتصاص الصلصات وعصارات اللحوم المطبوخة. وتبرز ملوحة الخبز النكهات، في حين أن القوام الهش الداخلي يعادل النكهة اللاذعة لأكثر أنواع الجبن.

واستثنت الحكومة الفرنسية المخابز من حملة الإغلاق التي شنتها على بقية المحلات والمدارس، وتركت لأصحاب هذه المخابز حرية اختيار الأيام التي يرغبون في العمل فيها.

وقال جان كلود ليمو (يعمل بأحد المصارف) بعد أن قضم من رغيف الخبز، إن “الخبز طازج وساخن، ومقرمش. شراء الرغيف الفرنسي يسمح لنا بالخروج”.

وأضافت زوجته ماري أن “مشاركة الخبز بين أفراد العائلة أمر أساسي على طاولة العشاء، في الوجبات العائلية. نشعر بالحاجة إلى التركيز على الأسرة والطعام والحياة. هو أمر مهم بالنسبة إلينا”.

24