حياة سندي.. شمس سعودية لم يحجبها مجلس الشورى بعد

الأحد 2013/11/17
عالمة اختارتها الـ "نيوزويك" ضمن قائمة "150 امرأة هزت العالم"

تُذكر حياة سندي في السعودية وخارجها، ويذكر معها إنجازها وطموحها وتحدياتها وإنسانيتها، وهي لا تقلّ عن صفحة مذهّبة من كتاب السعوديات، المرأة السعودية كما تود أن تكون.

تعشق كل مختبرات الكون، وكأنها ولدت بين أجهزتها وعقاقيرها، انطلقت من مكة، من أسرة كبيرة قوامها العشرة، وكانت وقودها نحو الانطلاق، أسرة حجازية تعودت التغيير لا الجمود بعثت بابنتها قبل رحلات البعثات، لتحقق حلم حياتها، وتسعى بين عقول بشرية تحرك الحياة غربا وشرقا لتجعل البوصلة نحو البشرية خدمة وتعلقا.

من مكة إلى العالم

في المدينة العريقة، ساهمت تلك الأسرة في صناعة خيال للطفلة، ساندها والدها وحفزها على القراءة والابتكار والتعلم من مناهل متعددة، أمدّها مع أفراد أسرتها بأنوار ترشدها لطريقها الذي تحلم به، لتصل نحو حلمها.

حياة سندي التي قالت في مراحل تألقها العلمي: "اليوم أدرك معنى مقولة أن الخيال أهم من العلم.. فكل الإنجازات العلمية العظيمة بدأت بلحظات يمتزج فيها الخيال مع الواقع، إلى أن تتبلور الفكرة ويتضح الهدف مع نضج الإنسان ومحاولته وإصراره".

فتحت الدكتورة حياة العقول للمستقبل، وجعلت من نفسها ملهمة للكثيرات من بنات وطنها، هي تصمت لأنها تعمل، هي تعمل لأنها تعرف معنى الإنجاز، تمسكت بحجابها وزاحمت الكثيرات والكثيرين، وتجاوزت كل العقبات، انتقلت إلى لندن، ببعض مفردات من الإنكليزية، حالمة طموحة في أن تعيد رسم تاريخ طب ابن سينا والرازي، لكنها اصطدمت بمعوقات اللغة، فانطلقت ليل نهار، لتبدع في تقريب اللغة إليها، وحازت في خطوتها الأولى على ما تريد.

ومن كلية الطب بدأت رحلة السعودية حياة سندي، والتحفت كتب الأدوية وعلوم الدم وأجهزة صناعة الدواء، فتحت لها الجامعات البريطانية أبوابها، لتسقط كل أحلامها على الواقع حين أسست (كينغز كوليغ) معمل الدم وتجعل حياة سندي، سند التأسيس.

لم يمض وقتٌ طويل قبل أن تمنحها الجامعة مرتبة الشرف وجائزة جامعية رفيعة جراء اكتشافها "آلية دواء للربو" لتهيئ لها رحلة العلم نحو جامعة كامبريدج العريقة المتفوقة وتحصل منها على درجة الدكتوراه وتمارس ما حلمت به لصناعة المستقبل وتفتح صفحات طب وهي في صغر سنها.

تركت حياة سندي، ملذات الحياة، مؤمنة أن في نتاجها وأبحاثها ما يتجاوز إنجاب الأطفال، سامية في مسيرتها، قضت في مختبرها جل حياتها، وأنتجت الكثير وجاورت أدوية تصنعها وتجري اختباراتها عليها، لم تسع لإظهار نتاجها للإعلام، لأن تربتها الطموحة لا تؤمن بالأنوار والكلمات في حين كانت صحافة بلدها تلوك في مسائل حقوقية نسائية، بينما لا تعترف أصوات المعارضة للمرأة سوى بحجابها وشعرها وبقائها في منزلها بينما كانت حياة سندي تصنع في مختبرها مستقبل البشرية وآمالاً جديدة للمرضى اليائسين.

حياة سندي في هارفارد والعالم

تصل الـ"سندي" إلى جامعة هارفرد وفي مخيلتها صناعة وتأسيس مختبرها الخاص، لخدمة البشرية، فحققت ما تريده وجعلت نتاجها مجانيا لأنها تؤمن بالبشر لا دين يفصلها ولا رق ولا طبقات.

انهالت عليها العروض فرفضت الكثير، وتمسكت بحلمها ومسارها وكأنها نهر يسير في أرخبيله بهدوء وجمال، قادتها اختراعاتها إلى نيل مرتبة مميزة في غالبية الأوساط العلمية، لم تنل التكريم العربي كما نالته عالمياً، فقط تم تنصيفها ضمن أقوى الشخصيات النسائية العربية في العام 2012 وكذلك اختارتها مجلة "نيوزويك" ضمن قائمة "150 امرأة هزت العالم".

إضافة إلى تكريم سعودي وحيد، حازته من خلال حصولها على جائزة مكة للتميز، في وقت تتعدد جوائز موطنها الكبرى وهي بعيدة عن كل ذلك وكأن مزمار الحي لا يطرب!

قالت أثناء احتفاء مكة بابنتها "حياة": " حملت كلمات أبي معي، حيث طالبني بأن أرفع رأسه وهامة هذا الوطن وأقول اليوم وبعد هذه الرحلة وبعد أن غادرني أبي إلى ربه (…) وبعد استلامي الجائزة، أرجو أني قد أديت الأمانة التي حملتها طوال مشواري العلمي وأتمنى أن تصل المرأة السعودية إلى المشاركة في صناعة القرارات".

حياة سندي اليوم قائدة من بين كوكبة علماء جامعة هارفارد الخمسين، ومن بين "2500" مرشح من أكبر مراكز "أبحاث الطاقة والتكنولوجيا والذرة" من قبل مهرجان العلوم والتكنولوجيا بأميركا على التوالي في عامي 2012 و2013. إضافة إلى كونها من مؤسسي الجمعية الجغرافية الأميركية (ناشيونال جيوغرافيك) الشهيرة، وتم اختيارها مؤخرا لتكون ضمن مستشاري الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة في الفريق العلمي.

العالمة السعودية والسعوديات

وفي الوقت الذي تعاني فيه المرأة السعودية من سلسلة طويلة من القيود، لا تبدأ عند اللباس ولا تنتهي عند فتاوى تحريم قيادة السيارات، تسجل حياة سندي تاريخاً جديداً في بلدها الذي اعترف بإنجازاتها، لتكون في قائمة أولى سيدات مجلس الشورى السعودي، ممسكة بقناديل علمها واختراعاتها مهيئة المستقبل المختلف لجيل جديد تحلم بأن يصلن إليه يوماً.

حياة سندي اليوم تتهيأ لتقديم خطتها واستراتيجيتها التي يتضمنها مشروعها الوطني الكبير الذي أطلقت عليه (i2) والذي يعنى بدعم المخترعين، وتشجيع العقول الخلاقة.

وذلك الدور الريادي الذي يفتقده المجتمع العربي عموماً والسعودي بالأخص، والذي يمدّ اليد للآخرين كي يمضوا على الخطوات ذاتها، هو الدور الذي أرادت حياة سندي لعبه، وليس السياسة والنقاشات في أروقة مجلس الشورى، بعد أن حققت عصا السبق في مجالات عديدة في مسيرتها بدءاً من كونها أول امرأة خليجية تحصل على شهادة الدكتوراه في مجال الكيمياء الحيوية.

أما مشروع "التشخيص للجميع" الذي أبهر العلماء أمثالها، والذي ابتكرته الـ "سندي" فيهدف إلى إنقاذ حياة الناس وإلى تحسين الخدمات الصحية في بلدان العالم ودول العالم الثالث خاصة، من خلال تصميم أجهزة مبتكرة للتشخيص التطبيقي تتميز بقلة تكلفتها وتختصر المسير للعلاج والمستشفيات.

قالت حياة سندي في ليلة باريسية موجهة حديثها للسعوديات: "لتملأ قلوبكن الثقة المطلقة بالتفكير والإبداع.. لتكتس أرواحكن بقوة الثبات والصبر، لتكن خطواتكن أكثر عمقا في واقعكن مهما يكن قاسيا وصلبا.. بكن شيدت أمم وقامت حضارات.. وبعقولكن فتحت خزائن العلم كنوزها ومعارفها".

تقول لهنّ: "لا تصدقن من يقول إنكن متواضعات التفكير، أنتنّ سر الحياة، وأنتن قوة المجتمعات ورقيها، أوصيكن بالإيمان بأحلام الطفولة، لقد آمنتُ بأحلامي وأنا طفلة، وأعتقد أنني حققت بعضها"… نعلّق نحن: هل حققتِ فعلاً بعضها فقط!

20