"حياة طاهرة" يعرض انتصارات المرأة المصرية في مهرجان كان

طاهرة سيدة مصرية كادحة تعيش في إحدى قرى الصعيد، تضطر بعد وفاة زوجها للعمل في مهن لا تناسبها كأنثى، من أجل تربية أبنائها الخمسة، لكن المجتمع الذي تعيش فيه يمارس ازدواجيته عليها فيستنكر عملها في مهن الرجال، دون أن يتحرك ليوفر لها مهنة تليق بالنساء وتساعدها على تدبير احتياجات أولادها، تلك هي قصة فيلم “حياة طاهرة” للمخرج المصري مهند دياب.
الخميس 2015/05/14
بطلة الفيلم لا تعرف مهرجان كان

“حياة طاهرة” فيلم مصري لمخرجه الشاب مهند دياب الذي يشارك به حاليا في فعاليات مهرجان كان السينمائي، ضمن ركن الأفلام القصيرة، لينقل إلى العالم تفاصيل قصة واقعية تفيض بالمشاعر الإنسانية، بينما صاحبتها لم تكن تحلم يوما أن تسافر حكايتها خارج إطار مكان وزمان قريتها الصغيرة.

يدور الفيلم الذي يعرض لأول مرة خلال المهرجان حول سيدة قادمة من أحراش الحياة في صعيد مصر، لتقود أبناءها الخمسة إلى بر الأمان، بعدما تحدت ظروفها وتفوقت على الرجال في المهن التي بقيت قاصرة عليهم، مثل البناء وحمل الطوب والأسمنت والحدادة والخراطة واللحام بالنار والعمل في صيانة إطارات السيارات، فضلا عن إتقانها للتجارة والخياطة.

توفي زوجها وهي في ريعان الشباب، فاختارت أن تهب ما تبقى من سنوات عمرها لإكمال رسالتهما المقدسة في تربية الأبناء، ونذرت أن تكون لهم الأب الذي فقدوه إلى جانب كونها الأم العطوف، ورغم العناء الذي واجهته، ظل وجهها يشرق بالبشر والنصر على صعوبات الحياة، لتكون “طاهرة” اسما على مسمى، في فيلم بمثابة أنشودة صادقة لكفاح المرأة المصرية.

قال المخرج مهند دياب لـ”العرب” إن الفيلم يأتي كواحد من بين ثلاثة أفلام تسجيلية عن كفاح المرأة المصرية بدأها في العام الماضي، بفيلم “حياة كاملة” الذي حصد العديد من الجوائز، والثاني “حياة طاهرة” في انتظار تحديد معالم الفيلم الثالث الذي سيبدأ تصويره العام المقبل.

ويتابع قائلا “اخترت طاهرة تحديدا كنموذج للمرأة المصرية غير المتعلمة والتي تحمل على أكتافها أحمالا لا يستطيع أعتى الرجال حملها، حيث اعتنت بأسرتها ورفضت الزواج بعد وفاة زوجها، وهي الآن جدة لديها أحفاد، أراها تحملهم على كتفيها وتعتني بهم كما اعتنت بآبائهم من قبل، باختصار هي سيدة مكافحة بكل ما تحمله الكلمة من معان، وحياتها رحلة تستحق النظر بعمق في تفاصيلها”.

ينتمي مهند إلى المدرسة الواقعية في السينما التي بدأها في مصر الراحل صلاح أبوسيف ومن بعده الراحل عاطف الطيب، بهدف التأثير في المشاهد من خلال التفاصيل التي يتفنن في رسمها حتى تبقى عالقة في ذاكرة كل من يشاهد الفيلم.

يبدأ الفيلم بمشهد للطريق الطويل المؤدي إلى محافظة المنيا التي تبعد 241 كيلومترا جنوب القاهرة، والتي تعيش طاهرة بإحدى قراها النائية، ويظهر المخرج بوجهه وهو يركب سيارة أجرة في الطريق إلى قرية طاهرة التي تبعد عن المنيا ذاتها بحوالي 18 كيلو مترا، تاركا الكاميرا تتحرك براحة في الخلفية لتصوير الطريق الترابي على جانبي الترعة، والمزارعين الذين خط الزمان والعوز علاماته على وجوههم المكدودة.

مهند دياب: طاهرة حياتها رحلة تستحق النظر بعمق في تفاصيلها

قصد دياب بهذا المشهد أن يصور تفاصيل الحالة التي تعيشها بطلة قصته ليصف للمشاهد مدى المعاناة التي تعيشها طاهرة، ورغم ذلك تحيا وتنعم بلحظات من الرضا يعكسه في المشهد التالي الذي يصور طاهرة بوجهها الضاحك البشوش مداعبة المخرج بقولها في صوت تملأه الضحكة الخجولة “تتجوزنيش يا خويا؟”.

منح دياب لعدسته الحرية الكاملة حتى تصاحب طاهرة، وترك لها مساحة من البوح والحركة في منزلها المتواضع، فراحت تحكي قصتها وكيف أنها تحولت إلى أرملة منذ 30 عاما، بعد وفاة زوجها، ورفضت الكثير من عروض الزواج، واختارت أن تعيش لأبنائها ترعاهم وتربيهم.

على أصابع يديها عددت طاهرة المهن التي عملت بها واثقة بنفسها، وأنها كانت “تضع القرش على القرش”، وتنفق على أسرتها وتدخر لهم، فعملت على ماكينة حياكة وفي الحقول كما الرجال، حيث شمرت عن ذراعيها وأمسكت بالفأس، ولم تبال بنظرة الاستغراب في عيون أهل قريتها. أبدع دياب في إفساح المجال للمشاهدين كي يغوصوا في الحياة الواقعية لطاهرة دون أن يتدخل في أيّ مشاهد تمثيلية أو متأنقة من أجل الوقوف أمام الكاميرا.

طاهرة التي قامت بالبطولة الكاملة للفيلم الممتد على 9 دقائق مرتدية جلبابا أسود فضفاضا وشالا من نفس اللون على رأسها (ترتديه الفلاحات في الريف المصري)، قالت لـ”العرب” إنها كانت خائفة من الكاميرا في البداية، لكن بعد حوار طويل مع المخرج قبل التصوير اطمأنت “خصوصا بعد أن طلب مني أن أكون على طبيعتي”.

ورغم أن الفيلم سيعرض ضمن ركن الفيلم القصير في مهرجان كان الذي يعدّ أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم، إلاّ أن طاهرة لا تعرف شيئا عن مهرجان كان الذي سيعرض قصة حياتها، ولا تعلم أين تقع فرنسا، وكل ما تعرفه أن الفرنسيين شقر وعيونهم ملونة. ضحكت بعفوية وبطيبة شديدة، عندما علمت أن حياتها البسيطة ستعرض في هذا المهرجان الدولي ليشاهدها أناس من جنسيات ولغات مختلفة.

15