حياة عراقية ناقصة وشاعر يقتفي ساعات حياته في القصيدة

منذ ولادة قصيدة النثر انفتح أمام الشعراء مدار واسع لقول العالم كما يشتهون، متحررين من كل ما يمكن أن يكبل شعرياتهم ولغاتهم، حيث بات الشعر أكثر قدرة على استيعاب عناصر جديدة يحيا بها وتحيا به، فكتبت نصوص شعرية غاية في الشفافية واللذة والشعرية، وهذا تماما ما فند اختزال الشعر في التزويق البلاغي أو الوزن العروضي أو غيرهما من الضوابط السابقة للكتابة.
السبت 2016/04/09
يقتفي ساعات حياته خطوة خطوة

منذ عنوان الكتاب “لست ممتعضا من دفق السرد” يبدو الشاعر العراقي ناجي رحيم كمن أفرط في رواية تفاصيل حياته، ووجد في العنوان طريقة بليغة للاعتذار عما آل إليه الشكل النهائي لنصوصه، هذا الشكل الذي انجذب إليه الشاعر متأثرا بغواية العلاقة العكسية بين عالمين مختلفين هما الوطن الغائب والمنفى الحاضر، فكان عليه أن يقتفي ساعات حياته خطوة خطوة من أجل أن يسطر مقارنة وجدانية بينهما متخذا من المفارقة منهجا في التقاط الصور، ليس لأغراض فنية وإنما ليوغل في التهكم وترتيب العالمين في غرفة يرى فيها ماهو أوسع مما سلبه الوطن منه، وأضيق مما جاد عليه المنفى من حرية كان يسعى إليها منذ طفولته.

جاءت نصوص المجموعة الشعرية الصادرة عن دار مخطوطات بهولندا، شبيهة بانعكاس البرق على زجاج الغرف صادمة وتحمل إضاءات ساطعة، لكنها لا تلبث أن تتلاشى في بروق أكثر سطوعا منها، الأماكن مرصوفة في ذاكرة الشاعر بنفس درجة حضوره فيها، رغم أنه يكتب عنها من أماكن ضيقة؛ الغرفة، البار والشرفة، هي إذن أماكنه الأثيرة حيث يمكنه أن يلتقط أصوات المارة، ويرى في أحاديثهم وأحاديث المطر الذي يرافقهم “مثل دموع تطبع أصابعها على الزجاج”.

وما من شاعر تصدى لأحزانه وحاول تصديرها إلى محدثيه مثل ناجي رحيم، فهو يحتفي حتى بأحزان الآخرين على أنها انتصارات لحزنه الأكبر في محاولة لوصف صورة الخراب الذي كان يحف به وبجيله، يقول مثلا في “قصيدة باول” “يسألني عن معاني الكلمات، فأستفيض شرحا، رموشه ترتعش، كلبته الصغيرة سالي تقعي نشوى على قدميه”.

يحاول الشاعر أن يضع تصنيفا لهذه الأحزان، تصنيفا إيقاعيا أسوة بالتصنيف الذي يضعه النقاد للتفريق بين الشعر وسواه، فكل ما هو جسدي في حياته نثر، لكن التفاصيل الحسية شعر كما يراها هو منساقا وراء الإيقاع الرتيب لحزنه الدائري، الذي لا يفارق أيامه إلا بذلك القدر من الزمان الذي يحاول أن يقتل فيه هذا الإيقاع، يقول في “قصيدة قال المصطور” القبلة قصيدة نثر، العناق قصيدة نثر، المضاجعة حتّى قصيدة نثر، وحده الشوق وجفاف الروح شعر موزون يمد روحه إلى مصاف العناق كي يكتمل، ويكمل دورة حب أولها القبلة ثمّ العناق.

ولا يتسنى له قتل هذا الإيقاع المتراتب للحزن إلا بمديح الخمرة أو التعبير عن سعادته بحضور الأيقونات من الشعراء والكتاب الذين يرى أنهم أشباهه في العزلة، صلاح فائق، سعدي يوسف، سركون بولص ومحمد شكري.

ولا تبدو استعادة أسماء هؤلاء المبدعين شكلا من أشكال التآسي بهم أو بسواهم ممن وردت أسماؤهم في نصوص الشاعر، إذا وضعنا في اعتبارنا أن منهم من رحل منذ وقت طويل، هي إذن محاولة لتأبين عزلته بحضور أسمائهم، وجاء في قصيدة “ليست ذرائع” البارحة نمت على الكرسي ساعات، كانت الأرض لا تزال تدور ورأسي يحلم، جاء صلاح فائق ضاحكا وقال لي: كم شربت أيها الصاحي؟ لا أتذكر جوابي لأنَّ سعدي يوسف وسركون بولص ومحمد شكري في الزاوية يضحكون.

ناجي رحيم شاعر يكتب في قصيدته كل ما يعن له وما يحاصره أو يلحّ عليه من أماكن وأسماء ومفردات، بعيدا عن التفكير القسري الذي يقسو على بعض الشعراء من أجل تزويق نصوصهم وتشذيبها، فهو يمارس حرية غير مشروطة في النص محلّقا بلحظات سكره وغيبوبته.

ويحلّق الشاعر بالوضوح الذي يحاول البعض التستر عليه إلى أقصى درجات الضوء فيشتم ويستعيد من الغناء العراقي القديم بلهجته العامية ما يمنحه سعادة التعبير في رسم صورة الموت العراقي في حروب لا حصر لها، والحزن على حياة ناقصة لم يجد سبيلا لتجميلها إلا بالشعر.

17