حياة على "العاصي"

الاثنين 2016/04/25

ما لا يحتاط له مصطفى الياسين أن يكون سوريا إلى الأبد، لا شيء يفصله عن معنى أن يكون المرء سوريا، لكن بطريقته الخاصة، وهو أمر يُغضب الآخرين، ولكن معنى الآخر بالنسبة إلى هذا الرسام إنما يكتسب ضرورته من فتنة جمال مشترك.

بيت شعري أو رفة جناح عصفور أو رائحة ياسمين أو لمعة عين، الوطنية بالنسبة إلى مصطفى هي مائدة يصنعها مزاج الشعر في ذروة تخليه عن الواقع.

لا تزال حمص في خياله مثلما تركها، سوريته تتنقل بخفة بين الصف المدرسي ومطبخ أمه، لا يزال بإمكانه أن يشم رائحة تنبعث من مكان خفي لتعيده إلى عتبة البيت بعد المطر.

يشدك إلى حكاياته، وهو الذي تخيل في طفولته العالم على هيئة قصيدة، لذلك ينسى ما يرى ليحتفي بما يسمع.

وهو حين يضع الرسم في خدمة حواسه الأخرى، إنما يهب العين فرصة أن تطبق أهدابها على حلم حياة محتملة، حياة لا تزال تقيم في المسافة بين إصبعين، وهي مسافة تكتظ بقرى العشاق وحقول الشعراء وقلاع الفرسان الذاهبين بشمس الشرق إلى الأندلس.

يرسم مصطفى كما لو أنه يحفر بإصبعه نهر العاصي على الثلج في قريته القطبية، ينصت إلى غناء الصيادين والرعاة ويلمس بحذر شفاه البنات النضرات الذاهبات إلى المدارس.

وما بين حنين صار ألما، وبين حنان صار غصة، يفرش أوراقه على المياه المتخيلة لتنطبع صور جده وأبيه وأخواته على الثلج. يعرف أن ذلك النهار الأبيض يعده بمساء وردي، تطفو فيه صورته العائلية مثل سمكة لا تزال تأمل في الهبوط إلى القاع، فيما ترقد بسكينة على المائدة.

“لا بأس أن نتحدث بلغة الإشارة”، يقول لك، وهو يقصد المضي قدما إلى حدائق العارفين الكبار، كان قد تعلم في وقت مبكر أن الرسم يجرح ويضرب ويصدم ويفضح ويؤذي ويعذب صاحبه، لذلك تعلم أن يمشي إليه مهذبا خطواته، كما لو أنه يمشي بموجتين من نهر العاصي.

كاتب من العراق

16