حياة ما قبل الأدب فن أن لا تفعل شيئا

السبت 2015/01/03
لافيريير: حاولت أن أمزج مجمل تأملاتي، أحاسيسي، ولحظات هذياني

يحتفل العمال في كل العالم يوم الأول من مايو بعيد العمال، إنه في الواقع ليس عيدا للاحتفال بالشغل وإنما احتفال بالعطلة التي أصبحت حقا مكتسبا، بعد النضال والإضرابات التي خاضها عمال المناجم على الخصوص، في عهد الثورة الصناعية، للمطالبة بتقليص ساعات العمل التي كانت تصل إلى 16 ساعة، وكذلك الحصول على يوم عطلة آخر كل أسبوع، تواصل النضال وتمكن العمال بعدها من اكتساب الحق في الإجازة السنوية.

رواية داني لافيريير، من مواليد أبريل 1953 بـ”بور أو برانس” (Port-au-Prince) عاصمة هايتي، بعنوان “الفن شبه المفقود بألا تعمل شيئا” تسبر حقوقا من نوع آخر، كالحق في التأمل والحق في الشرود.

في معرض تقديمه لروايته هذه أمام وسائل الإعلام، قال داني لافيريير: «لا أعرف كيف أصنف هذا الكتاب، أتردد بين رواية أفكار ومحاولة وجدانية. على كل حال حاولت أن أمزج مجمل تأملاتي، أحاسيسي، انفعالاتي كضحكاتي، ولحظات هذياني، لأني لا أظن أننا نتوقف عن الحياة ونحن نفكر. إذا كانت رواياتي هي سير ذاتية لأحاسيسي فهذا الكتاب يصب في نفس الشريان، إنه سيرة ذاتية لأفكاري. ما أفكر فيه ليس أبدا بعيدا عما أحسّه، وكأن كل هذه الفلسفة كانت تأتيني من سرداب جدّتي الصغير، من عمق طفولتي».


ما قبل الأدب


وهو يعرض مشاهد تجسّد أفكاره يدعونا داني لافيريير إلى مشاهدة العالم من حولنا من منظوره الخاص كما يشاهده هو، أي ببراءة الطفل وتمرّد واحتيال الأديب. لكن فن التفكير هذا هو أيضا وبالأخص فن الحياة، فن أن تبقى دون حراك، فن ألا تنسى، فن إمساك اللحظة، فن أكل فاكهة المنجة.

في كتابه هذا، المقسم إلى سلسلة من التأملات كل حلقة منها تشغل بعض الصفحات والمصمم للتناول عبر الأيام، ينقل لافيريير -بعد تنقيحها وإعادة صياغتها- تلك الوصلات الإذاعية التي كان يقدمها في برنامج صيفي بإذاعة “راديو كندا”، والتي كسبت جمهورا عريضا من المستمعين، كأنه يدعونا لنتبعه في رحلات اغترابه بطريقة انطباعية ذاتية للغاية.

إنه هذه المرة روح طليقة تتجول وتطوف، ليس عبر الأمكنة التي أعجب بها ويكن لها عشقا خاصا، والتي طالما حدثنا عنها في كتاباته السابقة، مونتريال، بور أو برانس (Port-au-Prince)، ميامي، ولكن بين الأفكار، شيئا ما على شاكلة ديدرو (Diderot)، منقب مستكشف فضولي ينبش ويهتم بكل ما يروج أمامه أو بذهنه، كل صغيرة وكبيرة؛ الجسد، الحواس الخمس، إحساس العاشق، القيلولة، الحرب، الأدباء الذين تشغل بورتريهاتهم رفوف خزانته، بولغاكوف (Boulgakov)، سالينجر، لاكلو (Laclos)، رولفو (Rulfo).
لافيريير يستدرجنا إلى متاهة تصوراته وأحلامه اليقظة، وكأن كتابه يفتح نافذة لرؤية ما يروج بعقله

بصحيفة “ليكسبريس” الفرنسية كتب الناقد جيروم سيري (Jérôme Serri)؛ إنه من المستحيل قراءة آخر ما كتب داني لافيريير بنَفَس واحد، فبدلا من الأجواء الجادة التي تخيّم عادة داخل المكتبة، كتابه يحمل على الاستجمام وخمول القراءة بجرعات صغيرة.

إنه مجموعة من حوالي مئة وعشرين من الوصلات في بضع صفحات لكل واحدة، يثير من خلالها بعض الذكريات، يسائل بعض المشاهد من الحياة اليومية، يتحدث إلى قرّائه، يفكر دون أن يخلص إلى استنتاج فعلي، يعيد مشاهدة بعض الكائنات، يسهب في تأمل بعض المناظر الطبيعية المخزنة في ذاكرته، يستكشف انفعالات جديدة، باختصار يجول ويتفقد الحياة، يعيشها وهو «يغازل نفسه»، كما كان يقول مونتينْي (Montaigne) بكل رقة.

متعة منظمة بشكل جيّد تبتدئ من الذات، هذا يعلمه الكاتب ويعيه جيدا. كما يعلم أن الخير والإحسان الذاتي والمديح هي كذلك أنسب الوسائل لمغازلة قرائه أو مستمعيه بـ”راديو كندا”. إنه يشاطرهم ويتشارك معهم بآلاف الأشياء الصغيرة التي تشكل نسيجا تافها وقيما في نفس الآن من أيامهم.

بعنوان كهذا، “الفن شبه المفقود بألا تعمل شيئا” ما كان لافيريير ليستهل كتابه إلا بمديح للقيلولة حيث يقول: «تلك اللباقة واللطافة التي نتعامل بها مع جسدنا المنهك جراء الإيقاع العنيف للمدينة».

كالتمهل والبطء، إنها تُمكن من المصالحة مع “الحياة المجرّدة”، مع حياة ما قبل الأدب، تلك التي تعجّ بالنكهات التي ستقحمها الكتب بعدها بالمخيال مانحة إياها كل سمكها وشساعتها.

كما علقت “جوزي لابوانت” (JOSÉE LAPOINTE) بصحيفة “لا بريس” (La Presse)؛ فإن لافيريير يستدرجنا إلى متاهة تصوراته وأحلامه اليــــــقظة، وكأن كتابه يفتح نافذة لرؤية ما يروج بعقله. كجولة داخل رأس إنسان، “الفن شبه المفــقود بألا تعمل شيئا”، يعيد الاعتبار ويبرز الأدبيات النبيلة للتأني والتأمل، اللذين يشكلان حماية حيال الإجماع المهيمن، ويمنحان حصانة ضد المنطق التجاري، وسط عالم من الأفكار المقننة والآراء الآنية العابرة.

داني لافيريير تعجبه كثيرا الأشياء غير المربعة ويكره أن نضع حدودا للفكر، وكتابه يجسد ذلك جيدا: عدة نصوص تجرّنا خارج ما تعلن عنه بمستهلها، وتتصل بروابط غير متوقعة، ولا تبدو جلية من الوهلة الأولى.

الكتاب يقود إلى متعة الخمول وأخذ مهلة للتفكير

يبتسم الكاتب وهو يصرح أن تلك هي الطريقة التي يشتغل بها الدماغ: إنه لم يورد دماغه إلا على سبيل المثال. «إنها حركة الأرجوحة لسرير معلق، يذهب ويعود، وفي الأخير نحصل على رؤية شاملة. لكن الحق في الحلم حق غير قابل للتنازل»، هكذا يقول مستشهدا بمقولة هيراكليتس (Héraclite) “الإنسان الذي ينام يبني الكون”.


فن النسيان


تجنبا لأيّ سوء فهم وتفاديا لتضليل القارئ العادي، وحتى لا يُفهم حديث المؤلف على أنه دعوة للخمول والتواكل، يقول الكاتب: «إني أكتب عن فن عدم فعل أيّ شيء، لكن هذا لا يعني أني لا أفعل شيئا». لقد تمّ تجميع النصوص التي تشكل الكتاب ضمن أجزاء أو مجموعات تلْتَمّ كل مجموعة حول موضوع معين.

هناك مثلا مغامرة السفر، عالم المعاني، قارئ في حوض الاستحمام أو طبيعة السلطة. الكل تتخلله قصائد نثرية، شيئا ما كمتنفس للكتاب: فن أن تتيه، فن أن تؤدي رقصة حياتك، فن أن تغيب وتمّحي، فن النسيان.

أحلام داني لافيريير الشاردة تسبح وتهيم من صيف مونتريال إلى طفل يحمل الأشياء في فمه، من مؤلفين نوابغ في المسرح، من الحرب، من انقطاع التيار الكهربائي إلى سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية الأميركية.

يقول: «أردت أن أبتعد عن القضايا الراهنة الكبرى، وأن أكون أقل تقيدا بالزمن وأظهر أن حياة الإنسان، الحياة اليومية، لها الحق في الحصول على حيّز ضمن الأخبار الراهنة. يوم خريف جميل، على سبيل المثال، يشكل جزءا منها»، هكذا يتحدث المؤلف الذي يستثمر «فن حضور الكائن في العالم» من خلال مراقبة كل التفاصيل وجعلها أمرا عجيبا.

يعتبر داني لافيريير أن “الفن شبه المفقود بألا تعمل شيئا” يظهر فقط إحدى الجوانب من شخصيته، لوحة ذاتية لأفكاره بعد تلك التي لطفولته، شبابه، مونتريال، والمنفى.

الآن وبعد أن برهن لنا داني لافيريير كيف يشتغل دماغه، حان دورنا لإعطاء مساحة أكبر لأدمغتنا، وتمرينها مثل العضلات، وفوق كل شيء -كما يقول- فإن “متعة” أخذ مهلة للتفكير «هي ثاني شيء أكثر متعة، مباشرة بعد ممـــارسة الجنس».

17