"حياة مجردة من ابتسامة" وشاعر يكتب ما لا يحتمله قارئ

السبت 2016/04/09
أساس البناء عند فادي سعد هو ذاكرته ولغته السردية

تبدو نصوص الشاعر السوري فادي سعد في مجموعته الأحدث “حياة مجردة من ابتسامة” مليئة بالسوداوية، سوداوية مجبولة من آلام السرطان والعقاقير والدواء الكيميائي الذي يرافق كل شيء، في مأكله وملبسه وحتى كتابته. أصبح الألم واقعا معيشا، لا يمكن ترويضه أو العبث معه إلا عبر الشعر. الشعر وحده يهذب الألم ويروضه، يعالجه كما أنه الجرعة الأخيرة المليئة بضوء الحياة.

ما إن تبدأ بقراءة المجموعة، الصادرة عن دار مسعى للنشر في البحرين، حتى تعثر على بناء سردي بحديقة شعرية ملونة، مصبوغة باللونين الأبيض والأصفر، لوني الحياة المتيبسة التي يعيشها الشاعر، فهو أسير حالة التوحد مع الألم الذي صاحب حياته منذ سنوات حتى صار الألم زائرا ومن أهل البيت، إذ تآلفا معا وصارا أسرة واحدة.

أساس البناء عند فادي سعد هو ذاكرته ولغته السردية القريبة من القص الحكائي المتعارف عليه، فهو يكتب نصا شعريا بصداه النثري، يختصر أو يطيل الحكاية بلغة دورانية أشبه ما تكون بلغة اغتصاب الكلمة، رغم أن الكلمة لديه لها اعتبارات مجازية متعددة ومتناقضة، لتقع بين سؤالين أو دلالتين؛ أولهما هل أنت تقرأ نصا لغويا تلعب فيه الفلسفة الوجودية دورا داخليا؟ وثانيهما هل هذا النص مراوغ مفكك تصويريا ويجب تركيبه صوتيا؟

إن مجموعة “حياة مجردة من ابتسامة” تمثل نوعا من إرغام القارئ على قبول النثري كما هو بكل سرديته وحكائيته والتباسه اللغوي وتراكماته وتناقضاته.

كما أن المجموعة تجعل من النص صورا وأصواتا ومجازات مختزلة المعاني والدلالات، وهذا ما لا يحتمله القارئ العادي الذي تعوّد على رسم الكلمة في مخيلته كما هي دون آفاق ودون أجوبة شافية، وهنا على القارئ أن يتبرع بكثير من مخيلته الذهنية لتتبع أفكار واختزالات القصيدة النثرية وبكل ما تحمل من خطابات ومفاهيم وأجوبة.

في قصيدته الطويلة “التاريخ الكامل للوهم” يبتعد فادي سعد عن الاختزال ويقع في نثر الوقائع الحياتية الخاصة، فالجمل التي كانت مبنية على الاجتياحات اللغوية والصورية أصبحت على شكل قصاصات شعرية التي هي أقرب إلى اللوحات منها إلى قصائد صريحة وربما ذكاء الشاعر لم يسعفه في إعلاء الشعري على النثري، وإن بدت بعض المقاطع مجزأة ومهذبة إلى أبعد ما هو متوقع.

حالة أو علاقة الشاعر مع المرأة التي تغيب روحيا وجسديا في النص، وإن حضرت هنا وهناك، فبتردد وخجل وخفاء، لتحل محلها الذكريات واستخراجها، والموت في أبهى أشكاله وتفاصيله والحقيقة الوجودية للألم والقسوة والحياة الممكنة والمستحيلة.

هنا تبدو حياة الشاعر مرهونة بحيثيات الأنا التي تظل تشغل النصوص كلها وتشعل الكلمات في سعي إلى خلق فوضى جميلة ومحببة، أو ربما لمداعبة وجدان القارئ، وزجه في خصوصياته لا شريكا بل متفرجا.

16