حياتنا عرض عرائس عاطفي

ثمة درس لامع صار يهم الإنسان اليوم أكثر من أي وقت مضى يقدمه هراري في ما يوصف بالألعاب النارية الفكرية، عندما يشكك بكون البشر سيبقون إلى الأبد السادة في مجالات الأخلاق والمشاعر.
الاثنين 2018/09/03
يتأمل لمدة ساعتين كل يوم ويعتكف لمدة شهر أو اثنين كل عام

هذا كتاب مذهل فمؤلفه يوفال نوح هراري نجم فكري يتأمل لمدة ساعتين كل يوم ويعتكف لمدة شهر أو اثنين كل عام. ليصل إلى نتيجة أنه في الوقت الحاضر، يبقى الوعي واحدا من أعظم ألغاز الكون، ويستحق الاستكشاف الشخصي.

الكاتب جون ثورنهيل المعلق في صحيفة فايننشيال تايمز، ينبه إلى كتاب هراري الجديد “21 درسا للقرن الحادي والعشرين”، لكنه لا ينصح من يشعر بخيبة أمل بشأن حالة العالم، على قراءته.

تتفاقم الأسئلة الممزوجة بالدهشة أمام هراري منذ كتابه “الإنسان العاقل: تاريخ موجز للبشرية” وقبله “تاريخ موجز للغد”.

يقول ثورنهيل “عبقرية هراري في تجميع الحقائق المهمة من مختلف التخصصات، بدءا من التاريخ القديم إلى علم الأعصاب إلى الفلسفة إلى الذكاء الاصطناعي، مكنته من الاستجابة لتدافع الناس إلى فهم من أين أتينا وإلى أين نتجه. لقد ترجمت كتبه إلى 45 لغة وبيعت منها 12 مليون نسخة”. لسوء الحظ لم تترجم إلى العربية، بل ومنعت كتبه في معرض بيروت للكتاب العام الماضي.

إحساس هراري الذي ولد في حيفا ودخل للتو في عقده الرابع وأكمل دراسته في جامعة أكسفورد، بأننا نعيش في أفضل عصور البشرية يتأتى من تناقضات تثير التهكم، فالإنسان صار يموت بسبب التناول المفرط للطعام، وليس من الجوع، وصارت حياة البشر تنتهي بسبب الشيخوخة وليس من الأوبئة القاتلة. إلى أن يصل إلى كيف يتم ربط المجتمع معا بكائنات مختلقة، مثل المال والأمة والدين ويقول “عندما يصِّدق ألف شخص قصة مختلقة لمدة شهر، هذه أخبار كاذبة. وعندما يؤمن مليار شخص بهذه القصة لمدة ألف سنة، قد تصبح تلك من باب العقيدة” علينا ألا نهمل هنا ونحن نتم قراءة هذه الفقرة يهودية الرجل!

هذا يعني ببساطة أننا أضعنا القصة التي نبحث عنها وصار الإنسان عدو نفسه، لذلك يتساءل ثورنهيل تأسيسا على كتاب هراري الجديد ما إذا كان ينبغي لنا أن نستمر في الحديث عن الإنسان العاقل باعتباره نوعا منفردا، بعد مسيرة ناجحة إلى حد كبير على مدار 70 ألف عام.

يقدم هذا العقل البحثي 21 درسا مهما للإنسان عبر 21 فصلا في الكتاب الجديد، ويبدو لي ثمة درس لامع صار يهم الإنسان اليوم أكثر من أي وقت مضى يقدمه هراري في ما يوصف بالألعاب النارية الفكرية، عندما يشكك بكون البشر سيبقون إلى الأبد السادة في مجالات الأخلاق والمشاعر. ويقول “يمكن تزويد سياراتنا ذاتية القيادة بإعدادات أخلاقية قابلة للتعديل، مستمدة من أعمال جميع فلاسفتنا العظماء، في حين أن أجهزة الاستشعار البيومترية تفسر مشاعرنا بدقة أكبر مما نستطيع”.

هكذا يصل إلى خلاصة مؤلمة بمجرد أن تفهمنا أجهزة الكمبيوتر بشكل أفضل مما نفهم أنفسنا، ما الذي يعنيه هذا لاختيارنا للمهن أو أحبائنا أو قرارات التصويت؟ يتصور هراري عالما تتشاور فيه آنا كارنينا مع خوارزمية موقع فيسبوك، قبل أن تقرر ما إذا كانت ستقع في غرام الكونت فرونسكي “وهو ما يؤدي إلى انتحارها في نهاية الرواية”، وحيث تحدد أنظمة الذكاء الاصطناعي معايير صنع القرار السياسي. لن تصبح ديمقراطياتنا أكثر من مجرد “عرض عرائس عاطفي”، “قد يظن البعض أننا وصلنا إلى هذه المرحلة منذ الآن”.

24