"حياتي زورق مثقوب" الوطن على ظهر موجة في عرض البحر

في زمن الحرب والخراب تتشكل التجربة الشعرية السورية الحديثة ضمن لغة مغايرة ومجاز جديد يتوافقان مع طبيعة الأحداث التي تمر بها سوريا الوطن، والشاعر الذي لم تعد صفته تقتصر على كونه شاعرا بل أضحى يمثل جملة من الملامح اليومية للواقع السوري كمهجّر أو كلاجئ أو كشهيد. من هنا تحوّل الشاعر إلى مؤرخ دون قصد ينقل تفاصيل الحرب اليومية مستغلا محيطه المشتعل، هذا التحول أفضى إلى تحوّل شكلي ودلالي للقصيدة السورية اليوم، تحوّل ربما يحتاج إلى قراءات معمقة داخل النص لاستقصائه وتتبع دلالاته وكيفية تشكله.
الاثنين 2015/12/07
شاعر يرحل إلى القصيدة في بحث واستكشاف دائمين

تبدو اليوم أغلب النصوص الشعرية غارقة في السرد والهوامش والابتعاد عن الجوهر، لكن الشاعر السوري عماد الدين موسى في مجموعته الشعرية الجديدة “حياتي زورق مثقوب”، الصادرة عن منشورات المتوسط (ميلانو – إيطاليا)، يصرّ على وضع علامات ضوئية على قصائده التي يرحل إليها في كل سفر أو بحث أو استكشاف. وتتألف المجموعة من 72 صفحة تتوزع عليها 29 قصيدة نثرية يغلب عليها التغني بالطبيعة والذات، والترنم بعذاب الإنسان الضائع الذي يبحث عن مرفأ له في العالم.

نصوص مفتوحة

نعيش اليوم زمن الكثرة الشعرية وتعدد الأسماء والإنتاجات الأدبية، حيث بات من النادر أن تجد تجربة شعرية تنحت لذاتها بعيدا عن المعتاد والتقليدي ليس على مستوى الكلمة والبنية فقط ولكن حتى على مستوى الصورة وكيفية تشكلها داخل ذهن القارئ.

والشاعر موسى يحاول الوصول إلى موانئ ثابتة لنصوص مازالت عاشقة للإبحار. ما يلفت الانتباه في مجموعة عماد الدين موسى، أن جميع النصوص جاءت مفتوحة، بمعنى أن كل نص هو نص جديد، يتشكل هذا الأمر عبر النسيج اللغوي الذي يتميز به عمادالدين موسى بحيث يعتمد على الإيهام والغموض. وعلى الرغم من بساطة الجملة الشعرية من حيث التركيب إلا أنها حملت في جوفها دلالات شعرية شاسعة وممتدة ليبقى النص المكتمل حلم كل شاعر.

يلعب الشاعر مع اللغة من أجل ابتكار شعري قوامه صور شعرية تعتمد التجريد فمنذ العنوان يضع عمادالدين موسى قارئه على سفن السؤال ليتساءل حول الزورق المثقوب، العنوان الذي أضحى اليوم تذكرة عبور للقارئ ومدخلا شعريا وحاملا لجماليات ومتعة القراءة والكتابة معا لذا جاء العنوان متسعا ومكثفا يحمل الكثير من التخيلات المفترضة ضمن فعل القراءة.

يعتمد موسى على النثر في مجموعته التي عنون منها 26 قصيدة وترك ثلاثا حرة بلا عنوان، وربما هي حيلة أخرى يتصيد بها عقل قارئه ليشاركه الفعل الشعري، تميزت القصائد بالقفز الصوتي أو الإيقاع المتحرك الذي جاء متنوعا بحسب كل قصيدة ولقد استمد الإيقاع من تكرار بعض الكلمات أو عن طريق التلاعب باللغة لخلق مساحة من التخيل ونوعا من التشكيل اللغوي الخاص بالشاعر، يقول “الفتاة التي تعرج في الحب/ الفتاة التي تعرج في/ الفتاة التي تعرج/ الفتاة التي/ الفتاةُ”.

نصوص عاشقة للإبحار تحاول الوصول إلى الشاطئ

يحضر معجم الطبيعة بكامل عناصره داخل المجموعة وإيقاعه أيضا، هذا المعجم يرسم علاقة الشاعر بالأشياء من حوله، ليجعلها تخاطب مرة بصفتها القريبة/ الحبيبة، قصيدة “قمر في الماء”، وتخاطب أحيانا أخرى باعتبارها ذلك الوحشي (كائن معتد)، وتحيل على واقع الشارع السوري وهذا الوجع الذي يسمى سوريا “أيتها الموجة/ أيتها الموجة التي/ ربما دفعتها الريح لارتكاب هكذا حماقة/ ها أنا ذا أغرق/ وكذلك أنت/ وما من مرفأ”.

مخاتلة اللغة

تأتي الصورة في المجموعة الشعرية صادمة من حيث التشكيل اللغوي والصورة التصويرية، وإن كانت المفردات معروفة إلا أن الشاعر يصوغها بطريقة تلائم واقعه حيث تلتقط واقع السوري اليوم وهو يحاول أن يجد له موضع حياة لا أكثر.

عمادالدين موسى يخاتل اللغة ولا يصرّح، يجعل من المعنى يتحدث عن ذاته وينسج كيانه المتفرد داخل عقل القارئ منتقلا بنا بين عدة صور في القصيدة الواحدة مما يجعلنا أحيانا نضيع بين خطوطها المتشابكة.

في مجموعة “حياتي زورق مثقوب” يحاصرنا حضور مكثف للأنثى/ القصيدة، إذ يأتي حضورها كرغبة في اختصار الزمن/ العالم من أجل الحديث عن الأنا/ الهوية، إن حضور المرأة لم يقتصر على وجه واحد بل تعددت ملامحه، فصور المجاز التي اشتغلت عليها القصيدة داخل المجموعة هي مساحات البحث داخل القصيدة، وهي أيضا العمق الذي تشكله الصور والدلالات داخل النص.

وجود المرأة في مجموعة “حياتي زورق مثقوب” يعتبر وسيلة الشاعر للغة ولتلك المخاتلة التي بينه وبينها من أجل عمق أكثر للقصيدة وصور مكثفة، تُوحي أكثر مما تصرح به.

يسير عماد الدين موسى على نفس النسق الشعري الخاص به والذي يرتكز على قصيدة النثر معتمدا على اللعب باللغة وعلى خلق إيقاع داخل النص ينبع من هذا اللعب نفسه والمخاتلة التي يفترضها، لعب يرتكز على التكثيف اللغوي من أجل إعطاء بعد دلالي وعمق أكثر للنص. عمادالدين موسى يحاول أن يقول الأشياء بطريقة أخرى وأكثر عمقا، ليحدثك عن الوطن على ظهر موجة أو الحب في قلب البحر، لذا جاءت نصوص المجموعة مفتوحة وقابلة للكتابة من جديد.

14