حياد العدسة في جنيف 2

الخميس 2014/01/23

متى كانت العدسة محايدة؟ إنها الشاهد على الفعل وردة الفعل دون أدنى مخاتلة، وإلا تصبح جامدة وتقترب من دور لم يقدر لها.

وبالأمس كانت العدسة الناقلة لفعاليات مؤتمر جنيف2 محايدة بشكل أخفى ظهور مشاعر الحاضرين وردة أفعالهم.

كانت ترسم مقطعا أفقيا ثابتا «رُسم لها أصلا ولم يكن بمقدورها عبوره» مقطع لا يقبل التأويل أو حتى يفسح المجال للمشاهد لاختيار تفسيره، واكتفت بمشهد واحد لا يتحرك ولا يظهر على الأقل تداعياته، وهي تظهر المتحدث فقط من دون أن تؤرخ لما يحيط به، مغيبة في ذلك الفعل الكامن وردود الفعل على كل متحدث.

ويبدو أن التصوير التلفزيوني كان جزءا من التنظيم الصارم للمؤتمر من قبل الأمم المتحدة في تعبير أخفى عن المتابعين ما يدور فعلا في ذلك الرواق العالمي، ومنح العدسة دورا دبلوماسيا ليس لها.

لم يكن بمقدور المشاهد أن يعرف ردود الفعل على ملامح وجوه وفد المعارضة السورية بينما كان الوفد الحكومي الرسمي يصفهم بأقصى الأوصاف، ولم يكن بإمكان المشاهد متابعة ابتسامة غرور ساخرة مثلا على وجه وزير الخارجية السوري «المفعم بالصحة وكأنه لم يأتِ من ساحة حرب»عندما كان رئيس وفد المعارضة يتحدث وكأنه اقترب من حكم البلاد.

كل ذلك غيبته العدسة الأممية في دورها الدبلوماسي أكثر مما ينبغي وهي تنقل وقائع الحدث الذي أصبح لا حدثا على شاشة التلفزيون. فبينما كان وزير الخارجية الأميركي يتحدث، لا أحد من المشاهدين كان بمقدوره أن يبتكر تفسيرا لتعابير وجه وزير الخارجية الروسي لأن العدسة لم تقترب منه واكتفت بكادر ظهور المتحدث فقط ولم تغيره إلا إلى وجه متحدث آخر أو الانتقال إلى فضاء القاعة.

هذا الحياد التلفزيوني ساوى بين القنوات «المتقاتلة» إخباريا وجعل الصورة نفسها تتكرر في القناة السورية الرسمية وفي القنوات الأخرى المناقضة لها.

ولأول مرة يظهر الحدث السوري كما هو على كل الشاشات في تشابه لن يتكرر بسهولة، وأعطى للخبر صيغة واحدة فرضت على كل القنوات في زمن إعلامي متعدد الأوجه والزوايا.

فكرة الحياد في الإعلام المعاصر لم تعد مقبولة حسب تعبير مارك طومسون المدير الأسبق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عندما وصف قواعد الحياد على شاشات التلفزيون بأنها أضحت قديمة ولا مكان لها اليوم في مجتمع الفضاء الإلكتروني والإعلامي المفتوح على الإنترنت.

لكن بالأمس ما كان للجالسين أمام الشاشات سواء في الشرق أو الغرب إلا مشاهدة صورة واحدة متشابهة لحدث لم ولن يكون متماثلا منذ انطلاق الرصاصة الأولى فيه، فالعدسات التلفزيونية كانت تنتقي زاوية أجندتها وفق خطابها الإعلامي لتقدم محتواها، بينما حاولت الأمم المتحدة أمس تقديم محتوى تلفزيوني لوضع سوري مرتبك بعدسة لا ترى غير الذي أمامها فقط.

إذ لم يسمح لهذه العدسة بأن تستدير بزاوية حادة أو منفرجة، وظلت قائمة طوال وقت المؤتمر، مضيعة على الإعلام أن يكون بمحتوى مختلف في زمن إعلامي مختلف أصلا.

18