حيال وعي أحْوَل

الاثنين 2017/05/22

اشتعلت صفحات التواصل الفلسطينية بنقاشات ضارية بعد إعلان حماس عن اكتشاف سرية جواسيس، كان أحد جنودها الضالين الخمسة والأربعين قد أردى الشهيد مازن فقها. وفي واحد من تجليات الوعي الأصولي الأحول، أسهب الناطقون الحمساويون في الحديث عن إنجاز أمني يمثله القبض على السرية، وتغاضوا تماماً عن إنجاز العدو في تشكيلها، وعن العوامل التي سهلت عليه الإنجاز في السنوات الأخيرة، التي انقسم فيها النظام السياسي الفلسطيني إلى شطرين يتهاجيان، ولكل منهما رزاياه!

في تعليل ظاهرة العملاء المتكاثرين، قال واحد منهم إن هناك “صراع أدمغة بين المقاومة والعدو”، علما بأن هكذا صراع، لو كان حاصلا لكان التسجيل سرية من جواسيس هنا، وأخرى مثلها لصالحنا هناك.

ونكون عندئذ أخذنا أقل من حقنا، لأن بيئة الصراع لصالحنا على الصعيد الأخلاقي والقانوني والإنساني، بالنظر إلى أن علماء اجتماع يهود، وباحثين في التاريخ، في جامعات إسرائيل، وصحافيين في إعلامها، يقولون إن الشعب الفلسطيني صاحب حق في الاستقلال وإسرائيل قوة احتلال، وبعض هؤلاء يقولون إن الصهيونية كاذبة وشعبها ودولتها وتاريخها وكل شيء فيها ملفق.

جاءت ردود أفعال بعض حماس بركانية، تفيض بالبغضاء نفسها التي اعتمدها الحمساويون على الطريقة “الإخوانية” وسيلة ناجعة للتمكين ولإقصاء الآخر وشيطنته وإهدار دمه!

كتبت لمن يعلقون سلبا، ويسترسلون في الشرح المضاد، بإطالات سفيهة في بعض مواضعها، إنهم يبرهنون على قوة تأثير مادتنا الإعلامية، وسعة انتشارها بين الناس، ووصولها إلى حلقات اجتماعية وحزبية متنوعة، وهذا لغير صالحهم، بل إنه يمد الكاتب بمشاعر الرضا والاطمئنان إلى كون الرسائل تصل كتلغرافات مهمة.

ثم إن النزق والتغالظ، وهو عندي أتفه من زن الناموس، يدلان على وجع لا أريده لهم، بل إن أكثر المطولات الهجائية، والنصوص المدببة لا أقرأها أصلا. كل ما أريده هو قرع الجرس لكي يتطبب هؤلاء من البغضاء، ويقلعوا عن النعرات والأوهام والأحقاد، وعن الغرور، ولو على سبيل تحسين صورتهم والتخفيف من الكراهية التي يرونها في عيون الناس. لقد مرت سنوات عشر في فلسطين وقع الناس فيها تحت نير سلطتين أطاحتا العدالة والديمقراطية وجرفتا السياسة تجريفا إلى خارج المجتمع، وأحلتا القبضة الأمنية!

لن يحصد تجار الكراهية سوى الخيبة، ولن يكون الفلاح إلا للوطنيين. فالبغضاء لا تخدم أحدا، وإنما تُراكم ضد كل أحد، في وعي المجتمع، رصيدا من القبح تجعله منبوذا حتى قبل أن ينقشع غبار المرحلة، ويضطر الناس إلى العودة إلى الوئام.

24