حيدر إبراهيم علي: العزل السياسي طريق السودانيين لإنهاء حكم الإسلاميين

المفكر السوداني يؤكد أن تطهير مؤسسات الدولة من أيديولوجيا الإسلام السياسي أبرز التحديات، وأن المحتجين الشباب هم القوة الحديثة القادرة على التغيير الحقيقي.
الجمعة 2019/04/19
حيدر إبراهيم علي: النظام الإسلامي سقط من العقول قبل سقوطه كنظام

دخل السودان مرحلة جديدة عقب سقوط الرئيس السوداني عمر البشير، لكن البلد قد يواجه مصيرا مبهما يصعب التكهن بما يحتاجه للمزيد من التغيير في ظل تعدد الاتجاهات. ويبدو الإسلام السياسي المتغلغل في مفاصل الدولة العائق الأكبر، إلا أن المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي يقول لـ”العرب” أن عملية التطهير تقتضي عزلا سياسيا للعناصر الإسلامية، بعد أن أضحت مرفوضة شعبيا، مرجحا سهولة الخطوة بعد أن سئم السودانيون الحكم الإسلامي.

اختار المفكر السوداني وأستاذ علم الاجتماع السياسي حيدر إبراهيم علي، بيته الذي يجاور نهر النيل في حي المعادي الراقي بالقاهرة، لإجراء الحوار مع “العرب”، حيث الشارع الهادئ والذي يكسوه لون كستنائي مفعم بأشجاره المنتشرة بجوار النهر الرابط بين مصر والسودان. وتضفي مناظر الأشجار ونسيمها المزيد من المشاعر وقد تخفف غربة العالم السوداني التي طالت عن وطنه الكثير من الأحزان لما وصل إليه خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير.

لم يرغب حيدر إبراهيم علي الانفصال عن وجدانه الوطني بإقامته الممتدة منذ سنوات في القاهرة، كما لم ينفصل عن الواقع السوداني الحالي وما يعيشه من ترقب وحذر وما ستؤول إليه الأمور الفترة المقبلة.

يتفق قطاع كبير من السودانيين على أن سقوط البشير كان ضرورة، لكن يختلف البعض حول مصير النظام صاحب الوجه الإسلامي المتغول في قواعد ومؤسسات الدولة بما يشكك في القدرة على الطلاق النهائي وبدء مرحلة جديدة يتشكل فيها وجه جديد لدولة مستقرة.

يختلف حيدر إبراهيم علي مع الرؤى المتشائمة، وتوقع أن يكون مصير الإسلام السياسي في السودان على درب البشير، أي العزل الحتمي، فالتنظيم الإسلامي ليس له ظهير شعبي في الشارع، وعلى العكس مكروه، وإذا جفت منابع الدعم المادي واللوجستي سيصبح أعضاؤه بلا قيمة.

مصير الإسلام السياسي في السودان على درب البشير، فالتنظيم الإسلامي ليس له ظهير شعبي في الشارع، وإذا جفت منابع الدعم المادي واللوجستي سيصبح أعضاؤه بلا قيمة

ويضيف “نحن أمام نظام سياسي ظل يحكم باسم الدين لقرابة الثلاثين عاما، وفشل في جميع الملفات، بداية من الأزمات الداخلية ومرورا بإيجاد مناخ سياسي صحي، وحتى في تطبيق جوهر الدين، وقد اكتسب الإسلاميون الكراهية في الشارع بشكل واسع بسبب رغبتهم في إثبات تدينهم بالالتزام بالشريعة وفرض القيود الواهية على المواطنين”.

وضع أستاذ علم الاجتماع السياسي الكثير من الدراسات التي تناولت مستقبل الإسلام السياسي، وكان أول من تنبأ بسقوطه في السودان في كتابه “سقوط المشروع الحضاري”، ومن أشهر كتبه “أزمة الإسلام السياسي” و”السلطة وخسارة الدين” و”مراجعة الإسلاميين السودانيين”، حيث منعت الحكومة السودانية أغلبها من التداول.

يلفت حيدر إبراهيم علي إلى توافر العشرات من الأدلة التي كانت تؤكد سقوط النظام السياسي الإسلامي من العقول السودانية قبل سقوطه كنظام حاكم، وأهم تلك المسائل ظهور المرأة السودانية لأول مرة ضمن الاحتجاجات، وتأثيرها القوي في تحريك التظاهرات، وذلك “أكبر ضمانة لعدم عودة الإسلام السياسي إلى الحكم، لأن السودانيات أكثر من عانين من النظام بسبب الالتزامات الدينية المتشددة في الملبس والعمل”.

التغلغل المنظم

ثورة المرأة
ثورة المرأة

بقي الجيش السوداني مؤدلجا لأكثر من ثلاثين عاما مع سيطرة الحركة الإسلامية على الحكم، وبات التيار الإسلامي صاحب الكلمة العليا داخل مفاصل الدولة، من جيش وإعلام وشرطة وقضاء، وهي مسألة يراها خبراء أخطر ما يعيشه السودان الآن.

ويرى المفكر السوداني أن الإسلاميين بطبعهم انتهازيون، بعد انضمامهم إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم، بحثا عن تولي مناصب وتحقيق مصالح فقط، وتلك البرغماتية تنسف فكرة الجيش العقائدي تماما.

ويوضح أن شريحة كبيرة من الأجيال الجديدة، من الضباط بالجيش والشرطة، لا تحمل أيديولوجية إسلامية، وأجبرت على ترك اللحية للإيحاء بأنها متدينة ظاهريا لضمان عدم الإطاحة بها، وهؤلاء سيكونون أول الواقفين أمام عودة الإسلام السياسي وسوف يصبحون في المستقبل القريب ظهيرا قويا للمحتجين في الشارع.

ويعتقد إبراهيم علي أن الوسيلة المثلى لتطهير كيانات الدولة تبدأ بالعزل السياسي، وليس الإقصاء، فقد تعمد الإسلاميون طوال فترات حكمهم إقصاء القوى الأخرى عبر قوائم الفصل الطويلة للصالح العام، وتشريد الآلاف وحرمانهم من حق العمل كمواطنين والتمييز في التوظيف وقيام معاينات العمل على الولاء والتضييق على منظمات المجتمع المدني المستقلة.

وتابع “ما يحتاجه السودان هو الإقصاء السياسي وفق القانون والعدالة، بعد محاكمات الفساد والتعذيب واستغلال النفوذ، ويجب أن يحرم كل من ثبتت إدانته من حق التصويت والترشح في الانتخابات القادمة، وهذا الوضع لا يمكن أن يسمى إقصاء بل تطبيق القانون على المجرمين، فالعزل إجراء سياسي شرعي معتاد في الثورات والانتفاضات”.

ضباط بالجيش والشرطة، لا يحملون أيديولوجيا إسلامية وسيكونون أول الواقفين أمام عودة الإسلام السياسي وسوف يصبحون ظهيرا قويا للمحتجين في الشارع

ويرفض المفكر التلويح بأن الجيش السوداني يتدخل لترجيح كفة فئة على حساب أخرى، ويقول “الجنود والضباط سئموا نظام البشير، وأكبر دليل على ذلك حركة التغيير الواسعة داخل الجيش السوداني، وأهمها تولي الفريق عبدالفتاح البرهان قيادة المجلس العسكري الانتقالي، وهو رجل بلا توجه ديني ولا يحمل لحية أو إدعاء بالتدين الزائف”.

ويرى أن المحتجين الشباب الذين ظلوا في الشارع لمدة أربعة أشهر هم القوة الحديثة القادرة على التغيير الحقيقي، وقد يكونون بديلا قويا للتواجد الإسلامي، “الشباب تعلموا من نماذج الثورات السابقة، ولم يتركوا الميادين أو يفضوا الاعتصام لضمان حماية مطالبهم الثورية”.

تبدو رؤية المفكر السوداني متفائلة نحو تحرك ثوري يفضي إلى حكم جديد، رغم تعارض هذا السيناريو مع نماذج متشابهة جرت في مصر ودول أخرى، عندما فشل الشباب المحتج في توحيد الصف ومواجهة التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان.

ويشير إلى أن المسألة تختلف تماما عن الوضع السابق في مصر، لأن القوى السياسية في القاهرة لديها تاريخ طويل من الانقسامات عززت فشل الثوار في جني ثمار التغيير، لكن في السودان هناك التزام ومرونة في التوافق، وظهر ذلك بجلاء الأشهر الماضية، ولا يوجد تنظيم أو أمين عام للمحتجين، وعندما تعلو الأصوات باستمرار الاعتصام والتحرك صوب القصر الرئاسي يتوافق الجميع ويستجيبون للمطلب السياسي.

يظهر الإسلام السياسي في السودان بشكل مركب ومعقد مع تشعبه بصورة ملفتة بين أيديولوجيات مختلفة جعلت التيار عموما مركزا للحكم والإدارة، وتمثل الحركة الإسلامية السودانية نفسها وعاء كبيرا يضم أطيافا غير متناسقة على المستوى الفكري اجتمعت فقط على الانحياز للحكومة.

تشعبات الإسلاميين

الثورة مستمرة
الثورة مستمرة

خرج الراحل حسن الترابي بحركة إسلامية موازية وعرفت باسم حزب “المؤتمر الشعبي”، في حين بقي الإخوان المسلمون بلا كيان حقيقي مستقل داخل السودان. وتارة يذوبون في حزب المؤتمر الوطني، وأخرى يتوافقون مع الترابي وأنصاره.

ويؤكد حيدر إبراهيم علي أن تنظيم الإخوان ضعيف جدا في السودان، ورموزه بلا تأثير بسبب تخلي الترابي عن فكرة التنظيم الدولي في السابق ورغبته في القيادة المنفردة.

يعول البعض على المتصوفين بفرقهم المختلفة كي يتحولوا إلى قوى بديلة للإسلاميين الحاليين، باعتبارهم قوة فعالة ومتغلغلة داخل نفوس شريحة كبيرة من المواطنين، الذين يتخذون من التصوف رؤية روحانية، ويسطع ذلك في السودان كظهير سياسي متطور، عكس الطبيعة الصوفية، وتلعب الطريقة السمانية والختمية دورا مهما في الشارع.

ويلفت إلى أن التصوف فشل في دفع العجلة الإصلاحية في السودان، ولم تحقق الطرق والأحزاب الصوفية أحلام السودانيين في تشكيل معارضة قوية أو تحالف سياسي يصنع التغيير الداخلي في الحزب الحاكم، والذين عرفوا باسم أمانة “الذكر
والذاكرين”.

ويضيف أن صادق المهدي نفسه (زعيم حزب الأمة القومي وطائفة الأنصار) تأخر كثيرا في تأييد الثوار، ولم يكن له تأثير قوي في تحريك المتظاهرين، كما أنه معروف بالتذبذب وعدم القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، ولا يمكن أن يكون رجل المرحلة الجديدة. ويعتقد أن الصوفية في الأساس قائمة على الزهد في المناصب والسياسة، وتقف أيديولوجيتها حجر عثرة أمام زعمائها للبحث عن موضع قدم في المستقبل.

حيدر إبراهيم يرجح لمصر دور استخباراتي فعال وداعم للتغيير، بشكل يقف عائقا أمام عودة الإسلاميين إلى حكم السودان، وهو ما يصب في صالح شباب الثوار

ويستدرك علي بأن البعض سوف يعول على استمرار دور الصوفيين في التصدي لأي تواجد سلفي في البلاد، ويمكن أن يحاول الأخير استغلال السلطة، لكن لن يسمح له بتحقيق نفوذ.

ويعتقد البعض من الخبراء أن علاقة البشير مع تركيا وقطر سوف تكون لها تداعيات على مستقبل السودان، وربما يفتح ذلك آفاقا سريعة لتدخلهما لترجيح كفة تيار الإسلام السياسي على حساب القوى المدنية وضمان حماية المشروع الإسلامي المترنح.

ويوضح حيدر إبراهيم علي أن الإسلاميين شرعوا في الهجوم على القوى الخارجية التي تدعم الحركة الثورية السودانية، على غرار الهجوم الذي طال مصر من قبل علي الحاج، الأمين العام للمؤتمر الشعبي، عندما قال إن دول الجوار تحاول إقصاء الإسلام السياسي في السودان ومهاجمة الثورة ويجب ردعها.

وكشف المفكر السوداني أن أنصار الترابي فشلوا في الانقضاض على الثورة، وقد يتجهون إلى التخريب لمنع أي قوة غير إسلامية من تولي السلطة، وهنا يجب أن يكون هناك ردع حقيقي لهؤلاء، لأن الراحل حسن الترابي خلق شعبية زائفة منذ تسعينات القرن الماضي عندما أنشأ لجانا للناخبين من حاملي الشهادات العليا فقط ليصنع شعبية غير حقيقية ظهرت معالمها في الاحتجاجات الأخيرة.

ويرجح أن يكون لمصر دور استخباراتي فعال وداعم للتغيير، بشكل يقف عائقا أمام عودة الإسلاميين إلى حكم السودان، وهو ما يصب في صالح شباب الثوار.

ويرى أن المحتجين يصعب تصنيفهم سياسيا، وأبرز ما يميزهم اطلاعهم على ما يدور في الخارج والتأثر بالحالة العالمية من حراك وغضب، وهم أقرب إلى أصحاب السترات الصفراء في فرنسا أكثر من كونهم سياسيين غاضبين وأصحاب رؤية ليبرالية واضحة للتغيير.

ويشدد على أن الشاب السوداني في الستينات والسبعينات كان عليه الاختيار بين الإسلام السياسي والشيوعية، أما الآن فلا حاجة إلى طريق سياسي معين، المهم هو هدم نظام عمره ثلاثون عاما، خلف ميراثا طويلا من الفشل السياسي والاقتصادي، وهذا ما يعول عليه الثوار، ويتمنون تحقيقه بعد عزل البشير.

وبسقوط البشير يطوي السودانيون نظريا، في انتظار ديناميكية الواقع، ثلاثة عقود من الدكتاتورية والفساد وهم يتطلعون إلى بناء دولة مدنية تؤمن بالحرية الفردية كقيمة جوهرية وبالتعدد السياسي كمنطلق لإصلاح ما أفسده تيار الإسلام السياسي
الذي أعدم كل فكر حر يحاول التغريد خارج السرب.

وفي مجتمع متدّين وشديد الحساسية تجاه اللعب على أوتار العقيدة، يجد الثوار أنفسهم أمام فرصة تغيير تاريخية لا تتكرّر كثيرا فإن أضاعوها تاهت السودان مرّة أخرى.

12