حيدر العبادي عبء ثقيل على كاهل المهندس ابن حزب الدعوة الإسلامي

الأحد 2014/08/17
العبادي أمام اختبار العراق المرير تركة حزبه والمالكي

عمان- كان يوم الاثنين (11 أغسطس 2014) بمثابة ثورة على رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، جاءت من داخل التحالف الوطني (الشيعي)، بعد شق حزب الدعوة الإسلامية، الذي أهلكته الانشقاقات الماضية، منذ تأسيسه وحتى آخر انشقاق بقبول عضو مكتبه السياسي، وعضو مجلس الشورى السابق فيه حيدر العبادي.


الحشد الدولي ضد المالكي


يتضح ذلك من استياء نوري المالكي في لحظة الإعلان عن تعيين رئيس الوزراء الجديد، وقد غاب عن التضامن مع المالكي أعضاء أساسيون، ويعدون من قادته، في الحزب، وعلى ما يبدو أن فوز أقرباء رئيس الوزراء السابق في الدورة الانتخابية الأخيرة، على ملاك كتلة حزب الدعوة واستبعاد أعضاء سابقين فيه هيأ لهذا الانشقاق.

صحيح أن العبادي لم يُشكل كتلة جديدة، ولا صرّح بانشقاق عن الحزب، لكن ما حصل عبّر عن انشقاق لعله أكبر من الانشقاقات السابقة، لأنه لم يبنَ على اختلاف فكري أو تنظيمي إنما على موضوع السلطة.

كان التأييد الدولي والعربي والعراقي لتعيين حيدر العبادي رئيساً للوزراء لا يقصده بقدر ما يقصد سوء إدارة نوري المالكي، عظمة الفاجعة على كل المستويات في العراق، دعت إلى هذا الترحيب، وهو مسؤولية كبرى تقع على عاتق العبادي، وأن يضع أمامه كل سيئات إدارة المالكي، وأن لا يجعل مستشاريه وموظفي المكتب ممن لا خبرة له، وممن عرفوا بالفساد.


مستنقع التوجه الطائفي للحزب


لم يكن حيدر العبادي بمعزل عن السياسة السابقة، لكنه لم يكن مسؤولاً عنها، وارتباطه بها يأتي من كونه عضواً في حزب الدعوة الإسلامية، إلا أنه يفترق عن الآخرين بميزات عديدة، قد تؤهله إلى تصحيح ما ارتكبته إدارة المالكي، مع الحذر من حزبيته وبالتالي توجه الحزب الطائفي العام، فمعلوم أن حزب الدعوة هو نسخة من الإخوان المسلمين، وتربى أعضاؤه على كتب حسن البنا وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وله صلات قوية بجماعة الإخوان، ومع ذلك لنعتبره من الماضي، وأن يكون العبادي استفاد من التجربة المرة، وقرأ جيداً ملفات تلك الفترة الحزينة في تاريخ العراق المعاصر.

في ظل الظروف الحرجة التي يعشيها العراق لا تؤخذ الأمور بالأسود والأبيض، كي نعتبر أيّ مرشح من حزب الدعوة محسوباً على المالكي، أو أنه سيسير بالخط نفسه، قد يكون ذلك غير ممتنع، لكن تغيير المالكي بغير هذه الطريقة سيكون شبه مستحيل، وقد يشق الصف الذي وقف ضده إذا ما جرى التسويف وعدم حسم تعيين رئيس وزراء في أسلوب يحرجه قبل غيره، ولا يدع حزبه، الذي تمكن من جذب الانتصار بشتى السبل، يتبنى تغييره، وها هو المالكي بهذه الخطوة قد أصبح موقع اعتراض من العالم أجمع.

يفترق العبادي عن الآخرين بميزات قد تؤهله إلى تصحيح ما ارتكبه المالكي، مع الحذر من حزبيته وتوجه حزبه الطائفي العام، فحزب الدعوة هو نسخة عن جماعة الإخوان المسلمين، تربى أعضاؤه على كتب حسن البنا وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وله صلات قوية بجماعة الإخوان


البغدادي


ولد حيدر العبادي وعاش ودرس في بغداد، وهو من عائلة ميسورة، فوالده طبيب معروف داخل العراق، وقد كانت عيادته في شارع الكفاح، حسب الأقربين من الأسرة، كان والده جواد العبادي رئيساً لمركز الجملة العصبية في بغداد، ومن الأطباء الذين يتعاونون مع المرضى الفقراء، ومعروف بعمل الخير، خارج الأطر الحزبية أو الخيرية الدينية التابعة لها، وكان ضمن القائمة التي أقالها صدام حسين بعد تسلمه السلطة من أحمد حسن البكر، أي في تموز 1979، وكانوا من مختلف الطوائف، وبينهم طبيب البكر فرحان باقر والطبيب سالم الدملوجي وغيرهم الكثير.

درس حيدر العبادي الابتدائية والثانوية في بغداد، تخرج من الإعدادية المركزية، ودرس الهندسة -قسم الكهرباء في الجامعة التكنولوجية- ببغداد، ثم غادر إلى بريطانيا لإكمال الدراسة في جامعة مانشستر بالتخصص نفسه، فأكمل الدكتوراه، وظل يعيش في لندن وذلك في ظل الأجواء التي تعرضت لها الأحزاب الدينية في العراق، ونُقل أن أخويه قد أعدما بجريمة الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية، وذلك في الثمانينات، أي مع بداية الحرب العراقية الإيرانية.


التوجه الإسلامي


لا يخفى أن تلك في الفترة، أي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كانت قد حدثت تطورات سريعة جداً، وأن الإسلام السياسي على العموم أخذ يأمل بتعميم تلك التجربة، وحينها أعلنت الثورة الإيرانية الزحف لإقامة أنظمة إسلامية، حتى أن الإخوان المسلمين أنفسهم أيدوا الثورة، وتصاعد نشاطهم، ثم جاءت قضية أفغانستان فتعاظم المد الإسلامي، منه ما هو في السلطة ومنه ما هو في المقاومة، وفي ظل هذه الأجواء كان حزب الدعوة يتطلع إلى السلطة أن تأتيه بين لحظة وأخرى، بوجود محمد باقر الصدر الذي أعلن نفسه خليفة لآية الله الخميني في العراق، فعندها أصدرت السلطة العراقية قرارات قاسية ضد الحركة الإسلامية على العموم، وميزت حزب الدعوة بقرار إعدام بأثر رجعي، بعد التفجيرات التي تبناها الحزب والحركة الإسلامية آنذاك.

فأين موقع حيدر العبادي من هذا كله؟ يمكن القول باطمئنان إنه لم يشترك في أيّ عملية عسكرية لا من داخل العراق ولا من إيران، يوم شكل حزب الدعوة معسكراً أطلقوا عليه اسم معسكر الصدر، نسبة إلى محمد باقر الصدر، الذي أُعدم بحدود أبريل 1980، وصار أعضاء هذا الحزب يحاربون مع الجيش الإيراني ضد الجيش العراقي. كذلك لم يشترك حيدر العبادي بعمليات التفجيرات التي كان يمارسها الإسلاميون على الأراضي العراقية، بمعنى أنه لم يكن مسؤولاً عسكرياً ولا أمنياً، ولا ضمن المتدربين في معسكرات سرايا الدفاع السورية، بداية الثمانينات، وكان المتدربون من الإسلام السياسي الشيعي، ومن المؤكد لا يخلو ذلك من التنسيق مع إيران في شكل من الأشكال، يضاف إليها ما بين النظامين العراقي والسوري من عداء متجذّر بين قيادتي حزب البعث.

ولد حيدر العبادي وعاش ودرس في بغداد من عائلة ميسورة، فوالده جواد العبادي طبيب معروف داخل العراق، كانت عيادته في شارع الكفاح، وكان رئيساً لمركز الجملة العصبية في بغداد، ومن الأطباء الذين يتعاونون مع المرضى الفقراء


على مسافة من العمل الحزبي


ماذا يفيد ذلك بالنسبة إلى حيدر العبادي، ومعلوم أن العمل العسكري والأمني، بالنسبة إلى الجماعات السرية، يدّخر به ممارسة الكراهية والبغضاء، لأنهم أمام قاتل ومقتول، ومن تلك الممارسات العنيفة: تفجير السفارة العراقية ببيروت، السنة 1981 وقتل نحو أكثر من ستين شخصاً، بينهم موظفون عاديون ومراجعون على الفيزا، ومعلوم أن نوري المالكي كان أحد العاملين في مكتب حزب الدعوة في دمشق، وقيل كان مسؤولاً عن ممارسات أمنية وعسكرية.

كذلك فحيدر العبادي لم يظهر مشاركاً في حملات الحج التي كان يقيمها حزب الدعوة تحت مسمى “حملة المصطفى”، والبارز فيها وواعظها كان إبراهيم الجعفري، وأحد “الملدارية” فيها نوري المالكي، وغيره. بمعنى لم يكن التدين والعمل من خلاله هاجساً لحيدر العبادي، فكان عمله الأكثر في الجانب الثقافي، ودفع في منتصف التسعينات إلى إقامة ندوات يشترك فيها غير المنسجمين فكرياً مع حزب الدعوة. بطبيعة الحال لا يعني هذا أن العبادي لم يكن متديناً، لكن للتدين درجات، منه مَن يتعمق فيه إلى حد الكراهية والإدعاء.

التدين السياسي


دخل حيدر العبادي إلى حزب الدعوة، وهو ما زال شاباً، وذلك في نهاية الستينات، وعلى ما يبدو أن تدينه التقليدي قاده إلى التدين السياسي، فكان مواظباً على الحضور في حسينية “المباركة” في الكرادة الشرقية، إحدى نواحي وسط بغداد، وهناك إمامها مرتضى العسكري، الذي يُعد من الجيل الأول، بعد المؤسسين، في حزب الدعوة، ومن خلال تلك الصلة اتصل العبادي بحزب الدعوة الإسلامية، ونشط فيه، لكن لم يظهر له دور آنذاك، وظهر دوره بعد العيش في بريطانيا، وكان حال وصولها اتجه إلى الدراسة حتى أكمل ما جاء من أجله.


المسالم في مواجهة المالكي وداعش


هناك خصلة أخرى يمكن فرزها في حيدر العبادي، تدل على أنه كان مسالماً، ليس صاحب مواجهة، فخلال كل تاريخه في حزب الدعوة، لم يعلن يوماً ما اصطفافه مع انشقاق من الانشقاقات، هناك مَن يفسرها بعدم اعتمامه بالانشقاقات، وإخلاصه للحزب، لكن لا يعني الانشقاق خيانة للحزب إلا من وجهة المنشق عليهم! بينما هناك من يفسر ذلك بضعفه، والذي يفهم أنه مسالمة، فقيل دائماً هو مع الجماعة التي تدعي أنها الأصل في الحزب، فلم يذهب مع انشقاق سامي البدري الذي قادة جماعة تدعى بجند الإمام، ولا مع كوادر الدعوة، ومنها محمد عبدالجبار، ولا مع محمد مهدي الآصفي الذي انشق، أو اعتزل بجماعة تؤيد فكرة ولاية الفقيه، وأن يكون مرشد الثورة الإسلامية هو الفقيه المقصود.

قلنا بسبب ظلامية أو حلكة الوضع العراقي يحاول العراقيون، الحريصون على بلادهم، أن يتشبثوا بقشة من الغرق في ما تركته حِقبة المالكي، وهي غير مفصولة بمكان عن حزب الدعوة، ولتكن هذه القشة هي حيدر العبادي، وتراهن بحذر على تاريخه التكنوقراطي والسياسي المسالم، وما عُرف عنه من أنه من الحمائم لا من الصقور.

في العام 2001 تم تسجيل براءة اختراع للعبادي في لندن، وشارك في تصميم ناقل مشاة إلكتروني لجسر الألفية الثالثة في لندن 1999، وحصل على منحة الإبداع من وزارة التجارة والصناعة البريطانية


وزير الاتصالات السابق


تولى حيدر العبادي، بعد أبريل 2003 وزارة الاتصالات، وظهرت أقاويل عن فساد في وزارته، وليس هناك تأكيدات على ذلك، وما لا نعرفه عن العبادي من سلبيات قد يكون جناح المالكي في الحزب، وهو مكون من أقربائه في الغالب، كفيل بفضحها، لأن قبول العبادي بتشكيل الوزارة جاء خارج رغبة المالكي وقناعته، بل أخطر من هذا أنه كان يمنّي نفسه بولاية ثالثة، لهذا ومثلما تقدم أن انشقاقا آخر قد حصل في الحزب في تلك اللحظة.

بينما لم يتبوأ العبادي منصباً في ظل حكومة رفيقيه إبراهيم الجعفري (2005- 2006) ونوري المالكي (2006- 2014)، وظل عمله في البرلمان العراقية وفي لجانه المختصة، وظل خلال تلك الفترة مدافعاً عن رئيس الوزراء نوري المالكي، لكن بعد الانتخابات الأخيرة، والتداعيات الكبرى التي حصلت، من السيطرة على الموصل وحوادث المنطقة الغربية والتصعيد مع إقليم كردستان-العراق لم يظهر العبادي إلى صف المالكي، وهذا ما يؤشر إلى بدايات افتراق توجت بقبوله منصب رئاسة الوزراء، ويثير غضب المالكي عليه. وكأنها جاءت طعنة نجلاء لم يكن المالكي يحسب حسابها.


نهج التكنوقراط


مما يفيد في حياة حيدر العبادي، وهو في منصب رئاسة الوزراء، أنه لم يفارق أو يترك اختصاصه العلمي، وهذا ما يحتاج إليه العراق تماماً، كتشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط) تتمكن من وقف التدهور الحاد في شتى مجالات الحياة، فيُذكر له أنه تولى رئاسة مؤسسة تعني بتكنولوجيا النقل السريع، وفي العام 2001 تم تسجيل براءة اختراع له بلندن في المجال نفسه، وشارك في تصميم ناقل مشاة إلكتروني لجسر الألفية الثالثة في لندن 1999، وحصل على منحة الإبداع من وزارة التجارة والصناعة البريطانية.

تلك إشارات تؤمل ببصيص أمل، لكن ذلك لا يتحقق إذا ظل العبادي مشدوداً لتاريخ حزبه، والمحاصصة التي عبثت في الوضع العراقي. فمن نواة نجاحه هو تشكيل حكومة فنيين، ومراجعة الملفات التي عبرت عن روح الانتقام، كاجتثاث البعث والإقصاء الطائفي.

7