حيدر العبادي "يسحب يد" وزير الكهرباء لامتصاص نقمة الاحتجاجات

تردي الخدمات يتجاوز شخصا بعينه إلى المنظومة الحكومية بأكملها، وهامش المناورة يضيق على الحكومة والاحتجاجات تتواصل.
الاثنين 2018/07/30
الغضب بلغ مداه ومن الصعب إيقافه

بغداد – أوقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الأحد، وزير الكهرباء قاسم الفهداوي عن أداء مهامه، في إجراء مرتبط بمحاولات حكومة بغداد لتطويق موجة الاحتجاجات الشعبية على سوء الأوضاع وتردّي الخدمات وشيوع الفساد في مفاصل الدولة، والتي دخلت أسبوعها الرابع دون وجود أفق واضح للحدّ منها ومنع تصاعدها وتحوّلها إلى تحدّ للنظام القائم يهدّد وجوده واستمراريته.

وذكر بيان صادر عن مكتب العبادي أن رئيس الوزراء “أمر بسحب يد وزير الكهرباء على خلفية تردي خدمات الكهرباء وإلى حين إكمال التحقيقات في هذا الشأن”.

وبدا الإجراء شكليا وأقرب إلى مغازلة المحتجّين، منه إلى تلبية مطالبهم، ما يعكس المأزق الحقيقي للسلطات العراقية الذي بذلت الكثير من الجهود لتهدئة الشارع الغاضب دون جدوى.

وشغل الفهداوي، وهو سياسي سُنّي سبق له أن تولّى منصب محافظ للأنبار بغرب العراق، منصب وزير الكهرباء في حكومة العبادي منذ سبتمبر 2014. وكان على مدار السنوات الماضية موضع غضب المحتجّين على تردّي خدمة تزويد المناطق بالكهرباء.

ورغم أن الفهداوي مثّل الرمز المباشر للفشل الحكومي في توفير الخدمات، إلاّ أنّ العراقيين يدركون أن ذلك الفشل يتجاوز شخصا بعينه، إلى منظومة حكومية بأكملها.

وسحب اليد هو منع الموظف من الاستمرار بممارسة أعمال وظيفته بصورة مؤقتة مع الاحتفاظ بصفته الوظيفية، وهو إجراء احتياطي مؤقت تلجأ إليه الإدارة عندما يكون الموظف عرضة لإجراءات تأديبية أو جزائية. ومن المرجح أن الفهداوي لن يعود على رأس وزارته مجددا نظرا لأنّ العراق مقبل على تشكيل حكومة جديدة في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 مايو الماضي. وكانت خدمة الكهرباء، الرديئة أصلا، قد ازدادت تراجعا قبل عدة أسابيع في جنوب العراق عندما أوقفت إيران تزويد البلد بألف ميغاواط من الكهرباء نتيجة تراكم الديون.

ومثّل تكرار الانقطاعات في شبكة الكهرباء أحد عوامل تفجّر احتجاجات شعبية واسعة في محافظات وسط وجنوب العراق التي تضمّ القاعدة الشعبية الأساسية للأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق منذ سنة 2003.

شارع عراقي كسر جدار الخوف وأصبح متحفزا للاحتجاج، وربما الثورة، بعد أن تبين له خواء شعارات الأحزاب الحاكمة

وبدأت موجة الاحتجاجات تلك تتحوّل إلى معضلة لحكومة بغداد التي استنفدت مختلف أوراقها دون أن تنجح فعلا في تهدئتها، أو حتى في منع توسّعها وامتدادها لتشمل مناطق عراقية أخرى لا تختلف في سوء أوضاعها عن المناطق المنتفضة إلى حدّ الآن.

وبدا واضحا أنّ إمكانيات تهدئة الشارع محدودة جدّا في ظلّ الأوضاع المالية الصعبة التي يعيشها العراق الخارج حديثا من حرب مرهقة وعالية التكلفة ضدّ تنظيم داعش، والذي تعاني دورته الاقتصادية من تشوّهات كبيرة تراكمت على مدار عقد ونصف من سوء الإدارة والفساد المتغلغل في مختلف مفاصل الدولة.

ولم يبدُ أن إجراء وقف وزير الكهرباء عن أداء مهامه قد لاقى صدى يذكر بين المحتجّين، الذين دخلوا في مرحلة تصعيدية جديدة لاحتجاجاتهم.

ونصب المتظاهرون، الأحد، خياما عند موقعين نفطيين استراتيجيين في محافظة البصرة بجنوب العراق، فيما تجمّع متظاهرون مجددا أمام ديوان محافظة البصرة مقر الحكومة المحلية، مطالبين بالاستجابة لمطالبهم. والموقعان المستهدفان بالاعتصام هما حقل غرب القرنة1 الواقع في قضاء القرنة على بعد 75 كلم شمال مدينة البصرة الذي ينتج نحو 405 آلاف برميل نفط يوميا، وموقع البرجسية النفطي الواقع في قضاء الزبير على بعد 35 كلم غربي البصرة، ويضم مقرات شركات النفط التي تتولى إدارة حقل الزبير ومنشآت أخرى.

وتسلك الاحتجاجات الشعبية الجارية في العراق منذ الثامن من يوليو الحالي مسارا غامضا بشأن المدّة الزمنية التي ستستغرقها، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه والتأثيرات التي ستخّلفها على الوضع السياسي القائم والطريقة التي تُحكَم بها البلاد ويتم تسيير الدولة وفقها.

وأتمّت موجة الاحتجاج، الأحد، يومها الثاني والعشرين ولا تزال حاضرة في مظاهرات بالعاصمة بغداد ومحافظات البصرة وميسان وذي قار وكربلاء والنجف والمثنى.

وتفجّرت الاحتجاجات في فترة انتقالية، كانت الأحزاب الحاكمة في العراق منذ سنة 2003 تستعدّ خلالها لتجديد سلطتها بتشكيل برلمان جديد منبثق عن الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو الماضي، وتتولّى الكتلة الأكبر فيه تشكيل حكومة جديدة وتعيين رئيس لها.

وتعسّرت العملية بسبب شبهات التزوير التي حامت حول العملية الانتخابية وأخّرت إقرار نتائجها بشكل نهائي، ريثما تُستكمَل إعادة الفرز الجزئي للأصوات يدويا.

وتواجه الأحزاب والقوى الفائزة بالانتخابات والمرشّحة لتولّي السلطة في الفترة القادمة مخاوف جديّة تساور قياداتها من تحمّل عبء الحكم في بلد كسر مواطنوه جدار الخوف وأصبحوا متحفّزين للاحتجاج، وربّما الثورة بعد أن تبين لهم خواء شعارات الأحزاب الحاكمة.

وبالنسبة إلى حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، حيدر العبادي، فإن تهدئة موجة الاحتجاجات وتطويقها والحدّ منها ومنع تطورها، أصبح المشغل الأول الذي تعمل عليه في عدّة اتجاهات، يقوم أوّلها على إغداق الوعود بتحسين الظروف الاجتماعية ورفع مستوى الخدمات بالمناطق المنتفضة بما في ذلك توفير الكهرباء، وينصبّ الثاني على محاولة التواصل مع أطراف دينية وعشائرية تتوقّع الحكومة أنّ لها بعض الثقل الشعبي والتأثير على الشارع، أما الاتجاه الثالث فيتمثّل في الحل الأمني الذي تحاول السلطات العراقية إلى حدّ الآن استخدامه بمقدار محسوب، ولكنها لم تنجح دائما في تجنّب الانزلاق نحو الإفراط في استخدام القوة وإيقاع ضحايا.

وجاء تجميد عمل وزير الكهرباء كأحدث محاولة لتطويق غضب الشارع بتحميل أطراف بعينها وأجزاء من النظام القائم مسؤولية تردّي الأوضاع، بعد أن حاول رئيس الوزراء توجيه الغضب صوب نواب البرلمان بتقديمه طعنا على قانون يمنح هؤلاء امتيازات كبيرة لدى تقاعدهم من المجلس.

3