حيدر العبادي يناور بملف الفساد في فترة العبور إلى الولاية الثانية

إجراءات سطحية وانتقائية هادفة للدعاية وكسب الوقت، وتورط شخصيات نافذة في الفساد يعسر عملية محاربته واجتثاثه.
الجمعة 2018/08/10
إخماد الاحتجاجات صعب.. عدم تصاعدها هو الهدف المرحلي لحكومة بغداد

بغداد – يجد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في إصدار قرارات تتعلّق بمحاربة الفساد طريقة مثلى في “مشاغلة” الشارع الغاضب من استشراء الظاهرة وتردّي الخدمات وسوء الظروف الاجتماعية عموما، فيما يواصل الرجل خوض معركته السياسية للفوز بولاية ثانية على رأس الحكومة.

وتساعد قرارات إعفاء مسؤولين من مناصبهم وإحالة البعض على التحقيق في قضايا فساد، العبادي في إبراز حضوره وعدم سلبيته وتفاعله مع مطالب المحتجين، ريثما يتم البتّ النهائي في نتائج الانتخابات والبدء بعقد جلسات البرلمان الجديد والذهاب من ثمّ إلى تشكيل حكومة جديدة.

وبقدر ما تبدو إجراءات محاربة الفساد خلال الرمق الأخير من عمر الحكومة الحالية متأخرة، فإنها تلوح لأغلب المتابعين للشأن العراقي انتقائية وسطحية وذات أهداف دعائية، أكثر من كونها إجراءات فاعلة في اجتثاث الظاهرة المتغوّلة والمتغلغلة في مختلف مفاصل الدولة.

ووجه العبادي، الخميس، بإعفاء عدد من المدراء العاملين بوزارة الكهرباء وإعادة هيكلتها لتحسين الخدمات. وجاء القرار بعد سحب يد وزير الكهرباء قاسم الفهداوي على خلفية تردي خدمة التزويد بالطاقة الكهربائية الأسبوع الماضي في ظلّ تواصل التظاهرات الاحتجاجية بمحافظات وسط وجنوب العراق.

وذكر المكتب الإعلامي للعبادي في بيان أن “رئيس مجلس الوزراء أصدر مجموعة من الأوامر تقضي بإعفاء عدد من المدراء العامين في مجموعة من الدوائر بوزارة الكهرباء منها الاستثمارات والعقود وتوزيع كهرباء بغداد والدائرة الإدارية، إضافة إلى تغييرات في دوائر التشغيل والتحكم ودوائر أخرى”.

جميلة العبيدي: فتح ملفات الفساد في الوقت الحالي هدفه إشغال الشارع قبل تشكيل الحكومة
جميلة العبيدي: فتح ملفات الفساد في الوقت الحالي هدفه إشغال الشارع قبل تشكيل الحكومة

وأوضح البيان أن “ذلك تم استنادا إلى توجيهات العبادي بإجراء الإصلاحات في وزارة الكهرباء وإعادة هيكلتها بما يخدم مصلحة البلد وأبناء الشعب العراقي وتوفير الكهرباء للمواطنين”.

ومن جهتها أعلنت هيئة النزاهة (حكومية خاضعة لرقابة البرلمان) في تقرير نشرته الخميس أن التحقيقات التي أجرتها قادت إلى إصدار السلطات القضائية 1071 أمر قبض، نُفِّذ منها 476 أمرا خلال النصف الأول من العام الحالي. وأشار التقرير إلى أن “عدد الوزراء ومن هم بدرجتهم ممن صدر بحقهم أمر قبض بلغ تسعة”. كما أشارت اللّجنة إلى صدور 107 أوامر قبض أخرى بحق 59 من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامّين.

والأسبوع الماضي أعلن مكتب العبادي عن إحالة وزراء سابقين ومسؤولين كبار إلى التحقيق للاشتباه بتورّطهم في قضايا فساد. وربط متابعون للشأن العراقي القرار بمحاولات تهدئة غضب الشارع المشتعل بالاحتجاجات منذ أسابيع، وتهيئة الأجواء لتنصيب البرلمان الجديد وتشكيل حكومة جديدة بعد أن أُعلن عن استكمال عملية إعادة الفرز اليدوي الجزئي للأصوات الانتخابية.

وقال نائب بالبرلمان العراقي السابق، إنّ العبادي يحاول الاستجابة لمطالب الشارع المتعلّقة بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين بطريقة انتقائية حذرة لا تخلو من هدف دعائي مع مراعاة عدم المساس بكبار الرموز والقادة السياسيين المتهمين علنا، ومن قبل المحتجّين أنفسهم، بالمسؤولية عن استشراء الفساد، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي ترأس الحكومة لثماني سنوات متتالية وجاءت حصيلة فترة حكمه كارثية على اقتصاد البلد وأمنه ومختلف مظاهر الحياة فيه.

وعن الهدف المباشر للإعلان عن إحالة هؤلاء الوزراء والمسؤولين إلى التحقيق في هذه الفترة تحديدا، قال ذات النائب السابق إن العبادي شرع بالفعل في تقديم نفسه كمرشح فوق العادة لرئاسة الحكومة القادمة، وإنّه يستند في ذلك إلى إصرار دولي، وتحديدا أميركي، على توليه قيادة الحكومة العراقية للسنوات الأربع القادمة.

وتداولت أوساط عراقية أسماء عدد من الأشخاص قالت إنّهم من ضمن المشمولين بقرار رئيس الوزراء، من بينهم محمد تميم وزير التربية السابق، ومحمد الدراجي وزير الصناعة السابق، وأحمد الكربولي وزير الصناعة الأسبق.

وتعليقا على ذلك قالت جميلة العبيدي عضو البرلمان السابق، إنّ الحكومة الحالية برئاسة حيدر العبادي غير قادرة على جلب الكربولي من خارج العراق لمحاسبته على ملفات الفساد في وزارة الصناعة، واصفة إحالة عدد من الوزراء والمدراء العامين إلى هيئة النزاهة من قبل العبادي بـ“الزوبعة الإعلامية”، ومضيفة “فتح ملفات الفساد وإحالة عدد من الوزراء والمدراء العامين في الوقت الحالي من قبل العبادي حصلا لإشغال الشارع قبل إعلان تشكيل الحكومة المقبلة”.

ويأتي العراق في المركز 169 بين 180 دولة على مؤشر الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية. وقوّض الفساد مؤسسات الدولة إلى حد كبير، وحال دون تحسين الخدمات العامة والبنى التحتية للبلد الذي يشكو أيضا من أعمال عنف منذ عقود.

والعراق ثاني أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” ويتلقى عشرات المليارات من الدولارات سنويا من بيع الخام، لكن الحكومات العراقية لا تزال عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية للسكان.

ويدرك حيدر العبادي أهمية موضوع محاربة الفساد لدى الشارع العراقي، ويحاول استثماره في السباق المحتدم على كرسي رئاسة الحكومة، رغم ما ينطوي عليه الملف من تعقيدات ومصاعب نظرا لتورّط شخصيات نافذة في قضايا فساد كبيرة.

3