حيدر حيدر روائي أخرج وليمة البحر من قاع هموم الناس

السبت 2014/08/23
أعمال حيدر حيدر تعتبر قفزة نوعيّة في تاريخ تطوّر القصّة السوريّة

كُثر في العالم العربي لم يسمعوا به أو يعرفوه إلا بعد الحرب التي شنت على روايته “وليمة لأعشاب البحر”، هذه الرواية التي عدت نقلة نوعية ونقطة تحول في مسيرة الرواية العربية الحديثة، كما يعتبر أدبه مختلفا نقلة استثنائية في مسار الأدب السوري.

كما كل البدايات ولد حيدر حيدر في قرية بعيدة صغيرة تقترب من حدود البحر، وتأخذ اسمها منه “حصين البحر”، فيها كانت صرخته الأولى في الحياة ومنها أخذ أولى دروسه، ومن طبيعتها العذراء قُدّت ذاكرته ورُسمت مخيلته وعششت في أنفه رائحة الخزامة والزعتر والزيزفون ففاضت إبداعا على الورق بموهبة فريدة سرعات ما أظهرت نفسها وبقوة بانتاج بدأ بالقصة ولم ينتهي بالرواية حتى اليوم.

في العام 1936 كانت ولادته، وبالرغم من صعوبة الاوضاع المعيشية في تلك الفترة الا ان رغبة العلم كانت اقوى من كل الظروف، فأكمل دراسته الابتدائية في قريته ثم دراسته الاعدادية في مدينة طرطوس في العام 1951 وانتسب بعدها إلى معهد المعلمين في حلب وتخرج في العام 1954.


سوريا الخمسينات


في المعهد بدأت موهبته الادبية تكشف عن نفسها، فكتب محاولته القصصية الأولى “نورا”، التي نشرت على صفحات مجلة محلية كانت تصدر في حلب، في مطالع الخمسينات كان المناخ السياسي في سوريا مضطرباً، باتجاهات وأفكار وتنظيمات وانقلابات ما بعد الاستقلال.

كما بدت الحياة السياسية آنذاك غارقة في الفوضى والاضطراب بعد الهزيمة العسكرية في فلسطين، ونشوء الكيان الاسرائيلي. فاختار حيدر حيدر التيّار العروبي- الوحدوي وانخرط فيه إلى جانب العمل الدراسي في المعهد، فانتقل الى دمشق حيث كان العمل السياسي نشطاً، والحركة الأدبية أكثر حيوية في العاصمة، فالمناخ الأدبي أفضل بوجود الكتّاب والمثقفين، والحركة الثقافية في قمة نشاطها.
عاش حيدر حيدر الحرب الأهلية في لبنان، وفي زمنها صدرت له "التموجات" و"الوعول"، وأعيد نشر رواية "الزمن الموحش" ورواية "الفهد"


أم البدايات دمشق


في دمشق بدأ ينشر قصصاً في الدوريات اليومية والشهرية، وكانت مجلة الآداب اللبنانية أبرز المنابر التي كتب فيها قصصه الأولى، التي صدرت في مجموعته “حكايا النورس المهاجر” في العام1968، وفي العام نفسه بدأ التحضير لتكوين اتحاد الكتاب العرب على مستوى الكتّاب والهيئة التحضيرية وانتخب كأحد أعضاء مكتبه التنفيذي، وفي المكتب وزعت المهام واللجان ووقع عليه اختيار مسؤولية الإشراف على النشر.

في سبعينات القرن الماضي ترك سوريا باحثا عن لقمة العيش فكان أحد أهم المُعارين لدولة الجزائر في حملة التعريب التي خاضها التعليم الجزائري فعمل هناك مدرسا للغة العربية ولجميع المواد تقريبا باللغة العربية ثم عاد الى دمشق وبعدها الى بيروت، التي تركت الاثر الأعمق في نفسه حتى هذه اللحظة.


الحرب الأهلية اللبنانية


ولم يستطع أن يكون حياديا تجاه أحداث بيروت الدامية إبان حرب لبنان فانخرط في كتائب المقاومة الفلسطينة من خلال الاعلام الفلسطيني الموحد واتحاد الكتاب الفلسطينيين، وعمل ما استطاع في النشر والاذاعة وكافة الوسائل التي يستطيع ان يقاوم من خلالها، في زمن الحرب صدرت له “التموّجات” و”الوعول”، وأعيد نشر رواية “الزمن الموحش” ورواية “الفهد” بعد فصلها عن مجموعة “حكايا النورس المهاجر”، وأعيد طباعة “حكايا النورس” و”الومض” ثانية عن دار الحقائق في بيروت.

في أوائل الثمانينات غادر بيروت إلى قبرص ليعمل في مجلة الموقف العربي الأسبوعيّة، مسؤولاً عن القسم الثقافي فيها. لكن رحلة قبرص كانت قصيرة لم تتجاوز العامين، وعاد بعدها ثانية إلى لبنان.

حيدر حيدر لم يكن مقلدا في رواياته لرواد النزعة النفسية في الغرب بل سلك طريقا خاصا به في صب قوالب شخصياته ورسم أعماقها


وليمة لأعشاب البحر


بعد رحيل المقاومة الفلسطينية عن بيروت في العام 1982، اثر الاجتياح الإسرائيلي، عاد إلى قبرص ثانية مسؤولاُ عن القسم الثقافي في مجلة صوت البلاد الفلسطينية. وفي العام 1984 صدرت له رواية “وليمة لأعشاب البحر” بطبعتها الاولى في قبرص والتي ظل يكتبها طيلة عشر سنوات.

نشر حيدر حيدر ثماني روايات وخمس مجموعات قصص قصيرة، وتعتبر أعماله قفزة نوعيّة في تاريخ تطوّر القصّة السوريّة، بدأها برواية الفهد ، ثمّ جاءت القفزة النوعيّة في رواية “الزمن الموحش” في العام 1973، الانطلاقة الجديدة للرواية العربية، وقد أتت بعد الهزيمة فاعتمدت تيار الوعي في مدركات الشخصيات و أفكارها وفي شكلها الواقعي العشوائي إذ كانت فن في وصف الحياة النفسية الداخلية للشخصيات بطريقة تقلد حركة التفكير التلقائية التي لا تخضع لمنطق معين ، فهو لم يكن مقلداً في رواياته رواد هذه النزعة في الغرب بل سلك طريقاً خاصاً به. الزمن الموحش والتي تنتمي إلى تيّار الحداثة الروائيّة، الرواية التي ترصد وتحلل التجربة الذاتية والموضوعية لما بعد هزيمة حزيران في الـعام 67 وما قبلها، ما كتب عن الرواية في الصحافة اللبنانية لم يتعد الكتابة الصحفية الاعتيادية بعيدا عن التحليل، وانطباعياً، خالياً من النقد العميق، رغم العناصر الإيجابية والتركيز على فرادتها، وحداثتها في اللغة والأسلوب، و منعت الرواية في سوريا من قبل الرقابة لأسباب لها صلة بالثالوث المحرم والمقدس : الدين – الجنس – السياسة.


الرقابة والأعمال الممنوعة

في العام 1984 صدرت لحيدر حيدر رواية "وليمة لأعشاب البحر" بطبعتها الأولى في قبرص بعد أن ظل يكتبها طيلة عشر سنوات، فأثارت ضجيجا لم يتوقف حتى العقود التالية


هذه الرقابة التي منعت الكثير من أعمال حيدر حيدر وأعمال سواه، بقيت بالنسبة له حتى النهاية حاجزا جائرا بين المبدع والمتلقي فيصفها في ندوة عن النقد كان ضيفها قبل عامين: ” تبدو هذه الرقابة شبيهة سيف مسلط على أعناق المثقفين الأحرار وعلى إبداعاتهم كافة في الأدب والمسرح والسينما والدراما والفن التشكيلي والموسيقى هذا الخصم السياف المعادي للتنوير يبدو مسلحا ومدعوما من سلطتين مهيمنتين أولا سلطة الدولة السياسية وثانيا سلطة المؤسسة الدينية المعادية للتقدم والحرية والتنوير وحين نشير الى هاتين السلطتين فنحن نعني مثقفيهم وحراسهم بالدرجة الاولى وهذا الصدام قديم ليس مستحدث ، مذ قالت الكلمة الحقيقة شفاهيا وكتابيا “.

الرقابة السيف المسلط على الأدب والرقابة الدينية سيّافها كانا السبب وراء الحرب الشعواء التي شنتها هذه السلطة على رائعته “وليمة لأعشاب البحر” والتي تحمل عنوانا لثلاث حكايات تعزف على وتر واحد، الصراع الأبدي بين الخير و الشر، الوضع المأساوي للإنسان العربي، إضافة إلى أهم ما حملته الرواية وهو جرأة الاسقاطات في طرح القداسة و الرموز الدينية و ما تحمله للناس ، ما أثار عليه حفيظة رجال الدين والمتشددين الذين طالبوا بحرق الكتاب وتجاوز بعضهم مطالبه باحراق الكاتب نفسه فمنعت الرواية في مصر وأكثر من بلد عربي بينما لا يراها حيدر حيدر نفسه تشكل أي خروج عن قواعد المحرم وتلتزم بالمسموح دينيا فيقول بأنه يرى جوهر الرواية ليس الهجوم على المعتقدات، و أن اللجنة العلمية الدينية التي قرأت الرواية – برأتها واعتبرتها بأنها تنتصر للإسلام.


حديقة الشعر


أثبت حيدر حيدر أن الإبداع الأدبي هو إعادة صياغة للوعي ، من خلال جرأة إسقاط التاريخ على الحاضر لتصبح الرواية قراءة لتاريخ الأمم و حكامها و شعوبها من خلال الأسلوب الوصفي او الشعر النثري الروائي الذي ميزه عن سواه، فتداخل الشعر بالنثر بأسلوب وصفي ساحر دون أن يتأثر بمدرسة أدبية دون سواها فكان اسلوبه مزيج من المدارس، فلا يخرج من الواقعية بشكل مطلق ، اذ يدخل الكاتب في الكناية و المجاز و الاستعارة و الرمز و هذه حديقة الشعر فالشعر ليس ذا صفة تجريبية وهناك في الأدب تداخل ما بين الكلمات ومعناها لتصل إلى تعبير لا يضاهى فامتاز أدب حيدر حيدر بحميمة الإنسان والمجتمع من خلال لغة حميمة تجمع الشعر بالنثر بالوصف فتشكل اسلوبه المبدع والمتميز بين الكتاب العرب أجمع.


أوراق المنفى


حيدر حيدر المعجون بهموم الناس (ناس القاع) مطحون بخيبات العرب وهزائمهم، يحمل نقاء الريف و صفاء الينابيع رائد من رواد الرواية و مجدد فيها. الحديث عن أدب حيدر حيدر يعني الحديث عن انكسار الأحلام القومية، و عن الحرية و هي محور أساسي من خلال الهم الطبقي والوطني والتطلعات الأممية. من غير حرية لا يوجد فن (حرية المرأة وحرية المواطن) فجاءت قصصه الأولى لتمثل المحرومين والمهمشين ومن يمثلون قاع المجتمع فيمزج الواقعي بالأسطوري.

روايته "الزمن المتوحش" اعتمدت تيار الوعي في مدركات الشخصيات وأفكارها وفي شكلها الواقعي العشوائي، إذ كانت فنا في وصف الحياة النفسية الداخلية للشخصيات بطريقة تقلد حركة التفكير التلقائية التي لا تخضع لمنطق معين

لم تكن وليمة لأعشاب البحر هي الاهم في انتاجات حيدر حيدر الأدبية اذ لا تقل (أوراق المنفى) التي صدرت في العام 1993 أهمية عن تلك.

أوراق المنفى كانت كتاباً تسجيليا بامتيار يسجل حيدر حيدر شهادات قاسية وجارحة عن زماننا العربي فهو كاتب البأس والقوة والنهار المهزوم بالظلمة والحزن والموت المخيم فوق ارواحنا المستلبة والكئيبة .

يسجل ذلك لانه ينفر من الكذب الزيف والتبشير والخادع بالفرح والغبطة والسعادة المفقودة فقد ولى الزمن الجميل واقبل زمن العار وحيدر حيدر مصمم ان يكون في شهاداته تلك صوتا فضائحيا في مواجهة هذا التدهور والانحطاط والتعسف المبرمج ومن مواجهة العار

في أوراق المنفى يوثق حيدر حيدر منفاه، غربته كضراوة الحنين، وتبدد حلم الثورة السياسية التي اغتيلت من محيط الشمس الى خليجها تساؤلات عن دور الادب في عصر ظلام وانحطاط التتاريخ عصر الذل والعار عصر البربرية عصر الموت العربي.

حيدر حيدر كاتب متمرد على جميع أشكال التنميط والسلطة، الاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، ونرجح أن هذا التمرد هو السبب في عدم انتشار أعماله رغم قيمتها الفكريّة والأدبيّة في معارض الكتب او المكتبات ولكي تحصل على رواية لحيدر حيدر عليك ان تبحث كثيرا حتى تجدها فهذه عقوبة المبدع في زمن رديئ. وفي أحد المقالات كتب حيدر حيدر عن نفسه يقول : “أهو القدر الغيبي المرسوم لك على الألواح اللامرئية، أم إرادتك وعقلك وتخطيطك للحياة، هو ما يقود خطاك عبر العالم؟

أن أفكر بحياتي وهذه الهجرات التي حملتني أمواجها، ثم صداماتي وانعدام تلاؤمي مع المفاهيم السائدة، أدرك إلى أي مدى كنت شقيّاً، وعابراً كما شهاب في فضاء فصل عن كوكبه وضاع.

على الأغلب كنت أستجيب لطبيعتي القلقة، وللرغبة الكامنة في السفر والبحث عن المجهول والغامض الذي لا أعرفه”.

تساءل حيدر حيدر وقتها وكأنه يتساءل الآن: “متى يخرج العرب من ظلماتهم وموتهم”.

13